تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم فجأة حل افتراض آخر أقل شاعرية وأكثر واقعية محل الافتراض الأول .. لعله قد تزوجها قبل ذهابه إلى الميدان وقبل أن تقطع رجلاه من جراء قذيفة المدفع .. وبعد أن عاد اضطرت إلى أن تعتني به وتواسيه وتقف بجانب زوجها الذي ذهب قويا جميلا ورجع حطاما مقصوص الرجلين، محكوما عليه باللاحركة، وباجترار المشاعر السوداوية وتحمل البدانة المشينة.

هل هو سعيد أو شقي؟

لقد تملكني رغبة قوية لمعرفة قصته أو على الأقل الوقوف على أهم الخطوط التي تسمح لي بتخمين بقية الحلقات التي لا يمكنه الإفضاء بها.

كنت أتحدث إليه وذهني سارح .. وكان حديثنا يتناول موضوعات تافهة .. وكانت عيناي مثبة على الشبكة وأنا أوزع الهدايا على النحو التالي:

«إذن فهو له ثلاثة أطفال: الحلوى سيخص بها زوجته، والدمية لابنته الصغيرة، والطبل والبندقية لأولاده .. وهذه الفطيرة سيتركها لنفسه.»

وفجأة سألته:

- هل أنت أب يا سيدي؟

- كلا، لست أبا.

وشعرت بنفسي مضطربا كأنني ارتكبت عملا غير لائق واستأنفت قائلا:

- معذرة سيدي، فقد ظننت ذلك عندما سمعت خادمك يتحدث عن اللعب، كثيرا ما يتسرب الكلام إلى آذاننا بالرغم منا. وابتسم وهو يقول:

- إنه لم يكتب لي أن أتزوج .. لقد ظللت في مرحلة الخطوبة فأجبته وقد تذكرت فجأة:

- آه .. حقا لقد كنت تحمل خاتم الخطوبة عندما عرفتك .. وكانت خطيبتك الآنسة ماندل فيما أظن.

- بالضبط، إن ذاكرتك ممتازة يا سيدي.

وتملكتني جرأة متناهية فأضفت:

- نعم أظن أيضا أنني سمعت أن الآنسة ماندل قد تزوجت السيد .. السيد ..

- السيد فلوريل.

- نعم هذا هو اسمه، بل إنني أتذكر أيضا أني سمعتهم يشيرون إلى جرحك.

ونظرت إليه مواجهة فزاد احمرار وجهه العريض المحتقن، ثم أجابني بحيوية وبحماس مفاجئ يشبه من يدافع عن قضية خاسرة سلفا، وهو يعلم ذلك ولكنه يحاول أن يكسب الرأي العام إلى جانبه:

الواقع يا سيدي أننا عندما نتزوج لا نفعل ذلك من أجل التظاهر بالكرم ولكن لكي نحيا كل يوم وكل ساعة وكل ثانية إلى جانب الشريك الذي نختاره، فإذا كان هذا الشريك معطوبا مثل فإن الزواج يصبح حكما بالشقاء حتى الموت. أوه، أنا أعجب بكل التضحيات وبالإخلاص عندما يكون لهما حد .. ولكنني لا أقبل تخلي المرأة عن العيشة الهنية التي كانت تؤملها وعن المسرات والأحلام لترضي إعجاب المتطلعين من الناس. إنني عندما أسمع فوق بلاط غرفتي دقات عكازاي، والضجيج الشبيه بأزيز الطاحونة الذي أحدثه عند كل خطوة .. عندما أسمع ذلك يتملكني غيظ جارف أريد معه أن أخنق خادمي. هل تعتقد يا سيدي أن بإمكاننا أن نطلب من امرأة أن تتحمل ما لا نقدر نحن أنفسنا على تحمله؟ هل تظن أن أطراف ساقي جميلة؟

انقطع جاري عن الكلام. ماذا أقول له؟ لقد وجدته محقا فيما قال. فهل أستطيع أن أوبخها أو أحتقرها هي التي لم تتزوجه؟ كلا. لكن هذه النهاية المتمشية مع الواقع والحقيقة لم ترض طبيعتي الشاعرية فأحسست بما يشبه الخيبة. وفجأة سألته:

- هل للسيدة فلوريل أولاد؟

- نعم، لها بنت وطلفلان .. وأنا أحمل هذه اللعب لهم، إنها وزوجها صديقاي الحميمان.

ثم دخل القطار إلى محطة باريس، كنت على وشك أن أمد ذراعي إلى الضابط المعطوب لأساعده على النزول عندما رأيت يدين تمتدان نحوه من الباب المفتوح:

- مرحبا يا عزيزي رياليير

- آه، يوم سعيد يا فلوريل.

- ووراء الرجل كانت زوجته تبتسم مشترقة وهي ما تزال محتفظة بجمالها، وتحرك أصابعها محيية الضابط وإلى جانبها طفلة تثب من الفرح، وطفلان ينظران في لهفة إلى الطبل والبندقية اللذين حملهما أبوهما.

- وعندما نزل المعطوب إلى الرصيف التف حوله الأطفال مقبلين .. ثم تحركوا منصرفين وقد أمسكت الطفلة بإبهام صديقها الكبير.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣١٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣١٠٣