تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذا شارب كث مفرطا في البدانة حتى كأنه من أولئك الرجال النشيطين الأقوياء الذين تضطرهم عاهة ما إلى التوفق عن نشاطهم. مسح جبهته وزفر ثم نظر إلى مواجهة وهو يقول:

- هل يضايقك الدخان يا سيدي؟

- أبدا ..

لم يكن صوته ونظراته ووجهه غرباء عني كانوا مألوفين لدي، لكن أين ومتى؟ أكيد أنني قابلت هذا الشخص وتحادثت معه وصافحته وهذا يرجع إلى تاريخ جد قديم ضاع وسط تلك الضبابة التي يحاول الفكر خلالها جاهدا أن يلتمس الذكريات وأن يتتبعها وهي تنفلت من بين يديه كالأطياف الهاربة.

إن أيضا يتفحصني جادا مثل من يحاول تذكر شيء لا يعرفه تماما.

وتضايقت عينانا من هذه النظرات اللحوحة فأخذت تنظر صوب اتجاه آخر. ثم بعد بضع لحظات عادت لتلتقي من جديد بدافع من الإرادة الغامضة التي كانت تحرك ذاكرتينا. وعندئذ قلت:

- يا سيدي عوضا عن أن نظل هكذا يراقب أحدنا الآخر خفية أفليس من الأفضل أن نبحث معا عن المكان الذي تعارفنا فيه؟

وأجاب جاري بمنتهى اللطف:

- إنك مصيب تماما فيما تقترحه.

وقمت بالتعريف بنفسي:

- اسمي هنري بونكلير أعمل قاضيا في المحكمة.

وتردد لحظة ثم قال وقد لونت صوته تلك الموجه التي ترافق تواترات الفكر الشديدة:

- اه بالضبط .. لقد التقيت بك عند آل بوانسيل منذ أمد طويل قبل نشوب الحرب .. لقد مرت على ذلك اثنتا عشرة سنة.

- نعم يا سيدي آه إنك الضابط روفاليير؟

- الأمر كما تقول بل لقد أصبحت القائد روفاليير إلى اليوم الذي فقدت فيه رجلاي مرة واحدة من جراء ضربة إحدى المدافع.

وأخذنا ننظر إلى وجوه بعضنا بعد أن تم التعارف بيننا .. وعادت بي الذاكرة إلى الأيام التي عرفته فيها شابا رشيقا يقود حلقات الرقص بحمية محببة جعلتنا نطلق عليه لقب «الإعصار». لكن وراء هذه الصورة الواضحة التي انتصبت في مخيلتي كان هناك شيء يطفو ويتراقص من غير تحديد .. قصة سمعتها عنه وسرعان ما نسيتها، وهي من القصص التي نسمعها باهتمام أول الأمر ولكنها لا تترك في الذهن سوى أثر خفيف. أحسست أن عنصر الحب كان ممتزجا بهذه القصة ولكن لا شيء أكثر من ذلك، إنه إحساس يشبه الرائحة التي تخلفها أرجل القنيصة على الأرض فتنفذ إلى أنف كلب الصيد لتحركه إلى البحث عنها.

وفي هذه الأثناء كانت الظلال تتضح في مخيلتي، وانتصبت صورة فتاة أمام عيناي ثم انبثق اسمها داخل رأسي كالصاروخ عندما يشتعل: الآنسة ماندال. لقد تذكرت كل شيء الآن، فعلا إنها قصة حب ولكنها قصة عادية كانت تلك الفتاة تحب هذا الشاب عندما التقيت به وكان الحديث يدور حول زواجهما المنتظر، وكان الشاب يظهر متعلقا بها وسعيدا بحبه لها. رفعت بصري إلى الشبكة حيث كانت اللفائف التي حملها خادم جاري .. وتذكرت صوت الخادم وهو يقول:

«هذا كل شيء يا سيدي .. الحلوى والدمية والطبل والبندقية وفطائر الكبد».

وعندئذ نسجت في مخيلتي خلال لحظة واحدة قصة تشبه جميع القصص التي قرأتها والتي يتزوج فيها الشاب أحيانا خطيبته أو الفتاة خطيبها رغم المصيبة الجسدية أو المادية التي قد تحل بأحدهما، واذن فإن هذا الجندي الذي عطب خلال الحرب قد وجد بعد رجوعه في الميدان الفتاة التي وهبته قلبها في انتظاره فتزوجته رغم عاهته.

وجدت هذا أمرا جميلا لكنه عاديا مثلما نحكم بالبساطة على جميع أنواع الوفاء ونهايات القصص والمسرحيات. إنه يخيل إلينا عندما نقرأ أو نستمع إلى مثل هذه النماذج من المروءة والشهامة إنه بإمكاننا نحن أيضا أن نبذل تضحيات كبرى في حماس واندفاع رائع .. ولكن مزاجنا يتعكر بسرعة إذا طلب منا صديق محتاج -في اليوم التالي- أن نقرضه مقدارا من النقود.

- إن من الخطأ يا سيدي أن يذكر اسم السيدة فلوريل مقترنا باسمي .. فإنني عندما عدت من الحرب بدون رجلاي، لم أقبل مطلقا أن تصبح زوجة لي. هل كان ذلك ممكنا؟

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣١٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣١٠٢