دعوة الحق، س.4، ع4 /يونيو 1961 .................... ص 43
من أدب الفلسفة: آخر لمحات سقراط
للأستاذ: محمد كاظم سباق
لعل أهول ما يواجهه المرء في هذه الدنيا من المكاره هو الموت، فيبعث منظره رعشة في الجسم، ويقلق تصوره راحة النفس، ويكدر لذات العيش، وقد قابل الموت وجها لوجه كثير من أفراد الإنسانية ممن قضى عليهم بالإعدام بحق أو بظلم، فاستقبلوه بحالات نفسية مختلفة، منهم من سبق إلى المشنقة وهو ذاهب اللب خوفا من شبح الموت الذي يحدق إليه من أمام، ومنهم من رقى إلى المفصلة واجما كثيب القلب أما حزنا على النعيم الماضي وأما حسرة على الأمل الضائع، ولكن العظماء من أفراد البشر، كما كانوا عظماء في ميادين الحياة المختلفة، كانوا كذلك عظماء في ساحة الموت، وقد خلد التاريخ منهم رجالا صافحوا الموت بالقلب الجريء، والنفس الرضية، والثغر المبتسم، وأن الدراسة لهذا السلوك الإنساني عند لقاء الأجل، قد ضمنت من الروعة والعبرة ما حصل بعض الباحثين على أن يقيدوا من أحداثه ما عظم في عينهم وجل، فباللغة العربية من ذلك كتابان لفقيد الأدب الأستاذ كامل كيلاني يمثلان للقارئ مصارع المشهورين من الرجال، وكتب المؤلف في مقدمة احدهما يبين الغرض منه: «لأنه ليس أروع للنفس من تمثل مصارع الناس والاستماع إليهم في ساعاتهم الأخيرة، وتعرف ما قالوه وقت حلول الأجل، وآخر ما تفوهوا به من الكلم قبل أن يفارقوا هذا العالم - خيره وشره- فراقا أيديا لا عودة لهم بعده» وباللغة الأردية ألف المغفور له الشيخ أبو الكلام الدهلوي- الذي مات قبل بضع سنوات وهو وزير المعارف في الهند- كتابا سماه: (الإنسانية على عتبة الموت). وكان مراده بالإنسانية عظماء الرجال ممن كان لهم عند مقابلة الموت مواقف مشهودة.
على أن المرء إذا استعرض أحوال الشهداء والأولياء من أهل الإيمان بالله والكتب والرسل واطلع على مواقفهم الجريئة في وجه الموت، فإنه وإن أخذته الدهشة عليها يعللها بقوة إيمان أولئك بالله وبالحياة الأخرى بعد هذه الدنيا، وذلك أن المرء إذا وضع أمامه أسوة الأنبياء والمصلحين ممن ابتلوا في حياتهم الدنيا بصنوف العذاب حتى نشر بعضهم بالمناشير، وكان مؤمنا بالله خالق هذا الكون، وموقنا بأن هذه الحياة الدنيا عارضة أن لم تنقض اليوم فقد تنقضي إذا، وستتبعها حياة أخرى، حياة الخلد والدوام، ثم كان أودع في صدره قلبا رابطا، ونفسا أبية، فإنه خليق أودع في صدره قلبا رابطا، ونفسا أبية، فإنه خليق بأن يلقي الموت كلقاء الند للند، ويجتاز القنطرة إلى الحياة الأبدية بنفس هادئة، ووجه بشاش، وكلن العجب حين يفعل مثل فعله، ويقف هذا الموقف العظيم رجل ليس من أتباع الرسل، ولا من متبعي الدين، ولا من حملة الكتب السماوية، وإنما هو رجل فكر وفلسفة، نشأ بين قوم يومنون بآلهة متعددة، وليس إيمانهم بالآخرة كإيمان أهل العقيدة والدين من أمم الأنبياء.
من منا لا يعرف سقراط، أبا الفلسفة اليونانية، ولد في اليونان بسبعين وأربعمائة سنة قبل المسيح، وقضى حياته في أزهر أدوار التاريخ الأثيني الذي قد امتاز بنبوغ عبقريات متعددة في الأدب والفن والسياسة والحكم والخطابة، اتهم في آخر أيامه بجريمتين، وحوكم في محكمة الشعب، فقضت عليه الأكثرية الضئيلة من أعضاء المحكمة بالموت، فعوقب به بكأس من السم سقيها في السجن، وفي اليوم الذي أنفذت عليه هذه العقوبة اجتمع به في السجن نفر من أتباعه وأصدقائه من الشباب الأثيني يعرف فيهم كريتو