وأفلاطون، فجرى بينهم وبين سقراط حوار طويل في خلود النفس قدر فيه سقراط أن العوامل الطبيعية والجسدية عملها ضئيل جدا في الوظيفة الحقيقة للحياة الإنسانية، وأن الحواس عرضة للانخداع، والحقائق الثابتة لا يدركها إلا الذهن وحده، وجعل الحياة الإنسانية سفرا من عالم الفناء إلى عالم الحي القدوس، وقرر أن الحياة الروحية في اليوم الآخر -يوم الجزاء والعقاب- هي الحجة الخلقية لوجوب حياة التقوى والصلاح على وجه الأرض، هذا الحوار الفلسفي الممتع دونه أفلاطون مفصلا في كتابه المحاورات) تحت عنوان: فيلد، واختتمه بذكر ما شهده هو ومن معه من أمر سقراط في ساعاته الأخيرة التي تناول فيها كاس السم، فشر بها كالماء الزلال، وورد حياض المنية بكل طمأنينة ورضي، هذا البيان الساذج المعجب لسلوك سقراط في آخر لمحاته في هذه الدنيا هو الذي نريد عرضه على القارئ في هذه الكلمة.
ولكن قبل أن ننقل عن أفلاطون هذا الفصل الرائع الذي هو يعد بحق قطعة من الأدب العالمي الخالد، لعله يحسن بنا أن نقف برهة عند حقيقة الجريمتين اللتين اتهم بهما هذا الفلسفي العظيم، وعند دفاعه عن نفسه فيهما، ونستدرج من ذلك إلى المشهد الأخير من حياة هذا العبقري.
كانت الجريمتان اللتان أتهم بهما سقراط ثم حوكم فيهما في المحكمة الشعبية الأثينية أنه -أولا- لا يومن بآلهة اليونان، ولا يدين بالضابطة الخلقية التي أساسها الفزع والخوف من تلك الآلهة المتعددة، وأنه - ثانيا- قد أفسد وأضل الشباب الأثيني بإنكاره وآرائه المبتدعة، واتصلت هاتان الجريمتان أوثق الصلة بمسألتين هامتين كانتا تواجهان الأمة الأثينية آنذاك:
أولا هما أن كان الفلاسفة السفسطائيون - قبل سقراط- زلزلوا إيمان الشبيبة الأثينية بآلهة اليونان لما بذروا في قلوبهم بذور الشك والارتياب من كل ما هو فوق الطبيعة ومن وراء حدود التجربة والحس، ولما علموهم التساؤل عن حقيقة كل شيء قبل أن يومنوا به أو يصدقوه، ولما تزلزل في قلوب الشباب الأثيني ذاك الإيمان بالآلهة، كانوا حريا بأن يفعلوا ما تشاء أهواؤهم وأنفسهم وأن لا يخافوا أو يتلجلجوا عند الإقدام على عمل أو التفوه بقول، وكل ذلك معناه أن تنشأ فيهم الفردية المشتتة التي تضعف كيان الأمة وتجعل المدينة Polis لقمة سائغة لأعدائها من أهل سبرطة المتخشنين، فنسأل السؤال حينئذ: ما هو البر؟ وما الصلاح الحقيقي؟ وأي ضابطة حلقية يجب أن تنفق عليها الأمة الأثينية حتى يلتئم كيانها ويتماسك بنيانها؟.
والمسألة الأخرى كان مبعثها النظام الديمقراطي القائم في أثينا عندئذ، وكان هذا النظام قد أصبح عند أهل البصيرة والفكر أضحوكة لسوء تأليفه وتركيبه، وأي شيء أعبث في الدنيا من الديمقراطية التي تسيطر عليها الدهماء من الناس، ويكون السلطان فيها للعواطف لا للعقول، وتكون الحكومة لعبة بيد جماعة من المتناظرين المتباحثين، يغلب على أعمالها وأحكامها طابع العجلة فيها حتى بمهام الأمور كانتخاب القواد وتعطيلهم وضرب رقابهم، وتكون المحكمة العليا متآلفة من الزراع والتجار والسذج ممن ينتخبون لعضوية المحكمة بالنوبة حسب الترتيب الهجائي لأسمائهم. فعن السؤال: كيف تصان الدول من الانحلال؟ وأي نظام للحكومة هو خير النظم وأصلحها لأمة أثينا؟.
وكان جواب سقراط لهاتين المسألتين هو الذي جر عليه الموت وألبسه حلة الخلود.
فلو أنه جدد في الناس الإيمان بآلهة اليونان المتعددة ورجع بالنفوس المتحررة المجتمعة حوله إلى تلك المعابد والأضرحة القديمة، ليقدموا بين يدي آلهة آبائهم القرابين، لاحترمه شيوخ أثينا وعظمه المجتمع، ولكنه لم يشأ سقراط أن يقود الناس إلى ما يعتقد أنه خطة رجعية وعدول عن القصد.
كان لسقراط عقائده الخاصة، فكان يؤمن بآله واحد، وكان يومن - على أسلوبه الخاص- بأن الموت لن يغنيه، بل سيكون لروحه خلود في الحياة الأخرى، ولكنه كان يرى مع ذلك أن هذه العقائد غير اليقينية لا تصلح لان تكون قوام ضابطة خلقية مستقلة تبقى على الدهر ولا تتغير. فكان من رأيه أنه