وابن طفيل بالرغم من أن الفكرة الأساسية في كتابه حي بن يقظان هي محاولة التوفيق فإنه لم يتعرض للتفاصيل أيضا وإنما عرض النظرية في خطوطها الأساسية. ذلك أن كتابه هو قصة قبل كل شيء، كتبت بعبارة رشيقة سهلة وأسلوب لطيف، ولا شك أنه زاد على الفلاسفة سابقيه بهذا العرض المستقل. غير أنه جعل -وذلك قصد إليه قصدا- الأفكار في كتابه مختفية وراء ستار خفيف من الرموز ولذلك لم يكن كتابه ليعد كتابا علميا بمعنى الكلمة -كما هو كتاب فصل المقال مثلا؛ أعني كتابا يتعرض بطريقة علمية وتقنية إلى أبعد الحدود -بالحجج والبراهين العقلية وبصورة مباشرة واضحة كل الوضوح المطلوب، لموضوع التوفيق بين الشريعة والحكمة والفلسفة، بالرغم من أن عمل ابن طفيل هو ولا شك تمهيد لعمل ابن رشد.
فإذن -يجب أن نفتش عن أسباب أخرى مكملة دفعت بابن رشد بالذات أن يحاول محاولته الجبارة هذه ويتفوق فيها تفوقا واضحا على سابقيه من الفلاسفة العرب، مضيفا إلى التراث الإنساني عملا فنيا وعلميا خالدا.
وفي رأيي أننا يمكن أن نجد تلك الأسباب المكملة في ما تحلى به ابن رشد -أولا- من حب للفلسفة وغيرة عليها فقد كان -ويجب أن نتذكر ذلك- قد وصل بالفلسفة العربية إلى مرحلة المدرسية الدقيقة أي التفاصيل التقنية والتحليل المستقصي. ويجب ألا ننسى أنه كان الشارح الرئيسي لأرسطو في القرون الوسطى، والممثل ذا التأثير الأكبر للثقافة المدرسية الشرقية. وقد غدت الميتافيزياء -على يد ابن رشد- دراسة دقيقة جدا بالرغم من احترامها الشديد لأرسطو، وابن رشد هو الذي ارجع الفلسفة إلى المدرسة ولا عجب من كانت هذه صفاته حبا وتعلقا بالفلسفة، واختصاصا، إن صح القول، لا يترك متابعة أدق التفصيلات، أن تكون غيرته على الفلسفة والنظر العقلي أكثر من غيره. وقد كانت التهجمات والتشنيعات على الفلسفة قد بلغت ذروتها في العالم الإسلامي على يد الإمام الغزالي. كان تعصب المدارس الكلامية على الفلسفة المدرسية قد وصل أوجه، وكأنه تبلور في كتاب الغزالي «تهافت الفلاسفة».
اكتسى هذا الكتاب صبغة إنذار للمشتغلين بالفلسفة وكان تحديا لهم، إما أن يجيبوا على ما جاء فيه ويردوا التهم الموجهة إليهم، وإلا فلتعلن الفلسفة نهايتها في بلاد الإسلام، وتسلم أمرها لأصحاب علم الكلام. ولما كان هذا الصراع قد تبلور على هذا الشكل ولم يعد هناك مجال للتكاسل، فإما عمل حاسم وإما الهلاك، فقد أقدم ابن رشد على خطوته الكبرى- التي تضاف إلى أمجاده المتعددة -وهي رده الرد المشهور «تهافت التهافت» على كتاب الغزالي الآنف الذكر ردا علميا يتميز هو الآخر بالروح العلمية، أي بدخول في التفاصيل ومحاسبة دقيقة مستندة إلى الحجج والبراهين.
وهذا العمل الذي يستحق كل إعجاب، والذي لا يزال يثير شعورنا بالفخر إلى هذه الأيام، هو بالإضافة إلى عمل الغزالي، من مفاخر هذه الفلسفة العربية بلا جدال.
دافع ابن رشد عن الفلسفة في كتابه وحاول جاهدا أن يرد إليها اعتبارها، وأن يبين عدم مخالفتها للدين. ولا حاجة للتذكير بأن الفلسفة التي يدافع عنها ابن رشد، هي الفلسفة المدرسية التي كان يعتنق آراءها. وكان صاحبنا ابن رشد الذي كان آخر ممثل لهذه المدرسة من الفلاسفة. وقد جره ذلك -ولا ينبغي أن ننسى عقيدته الدينية- إلى وضع بذور النظرية التي سيقوم بعرضها مفصلة في كتابه «فصل المقال»، و «الكشف عن مناهج الأدلة»، في كتابه السابق «تهافت التهافت».
ونفس السبب الذي قاده إلى انتصاره للفلسفة، عندما رد على الغزالي، قاده إلى مواصلة دفاعه وتعزيز موقف الفلسفة ببيان واضح صريح، يرد الأمور إلى نصابها ويبدي الصلات المتعددة التي تربط الدين بالفلسفة، ويكشف القضايا الكثيرة التي تنتج عن هذا الارتباط. وذلك إلى جانب عرض آخر -كان يستهدف به ابن رشد الناحية العملية إذ كان يريد أن يبين مبلغ ما أصاب الإسلام من هذه الفرق التي تدعي كل واحدة لنفسها معرفة حقيقة الدين، وتنطلق بذلك فيما بينها وضد