تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه هي أسباب منشأ هذه الفكرة الأساسية في الفلسفة العربية. ولكن ابن رشد قد تفوق على غيره في عرض هذه الفكرة وأعطاها إطارا مستقلا داخل بنائه المذهبي، أي أنه اهتم بها أكثر من غيره ودرسها تلك الدراسة الدقيقة، وتعمق فيها ذلك التعمق الذي جعل منها -كما هي معروضة بشكلها النظري في كتاب «فصل المقال»، ومطبقة على أوامر الدين في كتاب «الكشف من مناهج الأدلة» -جعل منها إحدى مفاخر هذه الفلسفة العربية ورائعة من روائعها، بالرغم من بقاء عمل ابن رشد هذا طي النسيان وضحية الإهمال مددا طويلة، حتى بدأ يبعث ويلاقي بعض الاهتمام في هذه الأيام.

فما أسباب هذا التفوق؟ أن ليون غوتييه يرى في شأن هذا التفوق، أن المدرسة الفلسفية المغربية التي تجمع ابن طفيل وابن باجة وابن رشد، قد دفعت بهذه البحوث في التوفيق إلى الأمام أكثر مما فعل الفلاسفة المشارقة الكندي والفارابي وابن سينا، وأن ابن رشد قد تفوق على زميليه ومواطنيه ابن باجة وابن طفيل. فهو الذي استطاع أن يعطيها الشكل الملائم أي الإطار والعرض العلميين في مؤلف مستقل فما هي أسباب التفوق من جانب فلاسفة المغرب على زملائهم فلاسفة المشرق من جهة وما هي أسباب تفوق ابن رشد على مواطنيه ابن باجة وابن طفيل وبالتالي على جميع الفلاسفة العرب بالمعنى الصرف في هذا الميدان أيضا؟ فيما يخص تفوق المدرسة المغربية هذه الأسباب يردها غوتييه إلى كون الشرق الإسلامي كان في تلك الأيام أقرب إلى عدم الانسجام وإلا التمايز في العقائد والأجناس والطوائف الدينية المذهبية. وكذلك فقدان التجانس في السلطة الحاكمة، أي أن الشرق الإسلامي كان منقسما إلى دول صغيرة بمعنى عدم وجود وحدة سياسية، فالأديان المختلفة -وإن كان الدين الإسلامي هو الغالب- والطوائف المختلفة، سواء منها الخاصة بالمذاهب الفقهية البحث، أم الطوائف الدينية الكلامية التي كانت منتشرة في الشرق كالمعتزلة والمرجئة والحشوية وغيرها، والأجناس والعروق المختلفة، والسلطان السياسي المنقسم-أي وجود دويلات عديدة- كل ذلك كان له أثره البعيد في خلق جو من التسامح في الشرق لا نجده في الغرب الإسلامي، سهل هذا التسامح على الفلاسفة المشارقة الظهور بما يحبون أن يظهروا به في غالب الأوقات، أي سهل مزاولتهم البحث الفلسفي. ولما كانت الأخطار المحيطة بهم خفيفة نسبيا للأسباب السابقة وخصوصا لفقدان سلطة قوية تسيطر على العالم الإسلامي الشرقي في الغالب، فقد وضع الفلاسفة المشارقة خطوط هذه النظرية التوفيقية ولم يتعدوا ذلك إلى التفاصيل. كذلك لم يحاولوا أن يكتبوا عنها مباشرة كتابا مستقلا كما سنرى ابن رشد يصنع فيما بعد. فهم لم يكونوا -والأمر كما ذكرنا- في حاجة إلى أن يدخلوا في التفاصيل الدقيقة لهذا الموضوع أو أن يدفعوا البحث فيه إلى مستوى عال من العلمية والتقنية كما فعل ابن رشد مكملا عمل ابن طفيل ..

أما الفلاسفة الذين عاشوا في المغرب فقد كان الجو المحيط بهم أكثر تجانسا: دين واحد في الغالب، وعرق أو عرقان في أكثر الأحيان -عربي وبربري-، ومذهب واحد فيما يخص الناحية الفقهية هو مذهب مالك. ولا مجال للاختلافات الدينية والمذهبية المتصلة بفرق علم الكلام كما هو الأمر في المشرق. وكذلك السلطان السياسي واحد ممتد على القارتين (أي إفريقيا أو الأندلس)، خاصة في العصر الذي عاش فيه هؤلاء الفلاسفة المغاربة وهو عصر دولة الموحدين.

فابن طفيل هو أول من وضع كتابا فكرته الأساسية تدور حول التوفيق بين الدين والفلسفة، وهو كتاب حي بن يقظان. هذا الكتاب كان تمهيدا لابن رشد. ويمكن تبعا لغوتييه أن تستنتج أن ابن طفيل شعر أكثر من سابقيه الفلاسفة العرب، بالضغط الذي كان يمارسه الشعب بتعصبه، والمتعصبون من رجال الدين بمقتهم للفلاسفة وتآمرهم. وكذلك نقول في ابن رشد.

ونتساءل الآن لماذا كان على ابن رشد بالذات أن يقوم بمهمة وضع هذا التوفيق في قالب خاص وجعله واضحا للعيان، بإبرازه في كتاب واحد مهمته الوحيدة الكشف عن الصلات العديدة التي تربط الدين بالفلسفة، ومعالجة هذا الموضوع بدقة علمية فائقة، مكونا مذهبا خاصا كامل الأطر والعناصر، وكأنه جمع بذلك تجارب الفلاسفة العرب جميعا إلى تجاربه في مؤلف واحد.

من المعلوم أن ابن باجة (قد اخترمته المنية قبل ظهور خزائن علمه وبث خفايا حكمته). ويجزم ليون غوتييه أنه ما كان ليشذ عن سابقيه في محاولة التوفيق (1).

نظر كارا دوفو المرجع السابق ص 29 فما فوق (1)

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٠٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٠٦٢