منهم مكاتبهم (كما وقع للكندي). ويلاحظ ليون غوتييه أن الملك أو الخليفة كان عندما يحس بسلطان التعصب يهدده في ملكه يرخي العنان للشعب ويرفع حمايته عن الفيلسوف -إذ كان من عادة الملوك أن يقربوا إليهم الفلاسفة ويتخذوهم جلساء لهم وكان يستجيب للدساسين ويوقع بهم نكالا، بأن ينفيهم أو يحرق كتبهم كما وقع لابن رشد مع الخليفة المنصور الموحدي، ولكن ما أن يمر وقت قليل وتهدأ العاصفة حتى يعود الملك ويعفو عن صفيه الفيلسوف ويعيد إليه اعتباره السابق-. ففي العصر الذي يوجد فيه ملك متسامح، قوي حتى لا يعبأ بالجماهير إلا عندما تشتد وطأة التعصب، وصاحب امبراطورية أو أمير منشق عن الخلافة تحيط به دول إسلامية متعددة، حتى ليلقى الفيلسوف منفذا للهروب في وقت الشدة، في مثل هذه العصور والأوضاع كانت تزدهر الفلسفة كما قدمنا.
هذه العصور القليلة في تاريخ الفلسفة العربية معدودة يمكن حصرها في العصر العباسي الأول الذي يحوي الخلفاء العشرة الأولين من المنصور إلى المتوكل، وفيه نبغ الكندي وترجمت الكتب اليونانية وغيرها، وعصر سيف الدولة في حلب وفيه نبغ الفارابي، وعصر الدول الإسلامية في إيران وفيه نشأ ابن سينا، هذا في الشرق، أما في المغرب فإن عصر دولة الموحدين يكاد يكون الوحيد الذي كان في أيامه للفلسفة ذكر ورجال، ففيه نبغ الفلاسفة المغاربة الثلاثة: ابن باجة وابن طفيل وابن رشد، وبعد ذلك انطفأت شعلة تلك الومضات التي كانت تومض كالبرق الخاطف في بعض أوقات من تاريخ الحضارة الإسلامية الحافل، انطفأت تلك الشعلة، لتومض من جديد ومضتها النهائية في شخص ابن خلدون بعد ذلك بفاصل من الزمن كبير، يصل إلى القرنين.
فاذن والعالم الإسلامي هذا وضعه في ذلك الحين كان على من يريد أن يشتغل بالفلسفة والعلوم العقلية أن يتخذ سلاحا ضد الأخطار المعيقة به، وكان عليه -كما ذكر ليون غوتييه- أن يكون حذرا وإلا عرض ولي نعمته الملك أو الخليفة لسخط العامة والمتعصبين من رجال الدين والمتكلمين، واستجلب بذلك على نفسه العقاب.
وكان السلاح الذي وجده الفلاسفة العرب ناجعا في اتقاء أخطار هذه الرجعية والتعصب هو نظريتهم التي اتفقوا جميعا في خطوطها الأساسية أعني نظريتهم في التوفيق بين الدين والفلسفة التي يمارسون البحث فيها.
هذه النظرية التي يرى فيها ليون غوتييه أصالة الفلسفة العربية، ويرد سبب منشئها إلى تلك الأخطار التي تحيق بالفيلسوف المحتمي بحمى ملك أو خليفة في غالب الأمر، أخطار من جانب الشعب، وأخطار من جانب المتعصبين من المتكلمين والفقهاء.
ولكن هذا السبب إذا اقتصرنا عليه قد يوحي بأن هؤلاء الفلاسفة العرب لم يكونوا معتقدين لمبادئ الدين أي أنهم كانوا يؤمنون بحقيقة واحدة هي الحقيقة العقلية أو الفلسفية. وأنهم كانوا يعتبرون الدين وهما أو خرافة أو حيلة لاستدراج الناس إلى ما ينفعهم في حياتهم الاجتماعية فحسب أو ما شاكل ذلك، مما يجعل الدين بعيدا عن الحقيقة الفلسفية بعيدا عن التعبير عن حقيقة واقعة. ونحن إذا استعرضنا حياة هؤلاء الفلاسفة -وخصوصا نظريتهم في التوفيق- نجد أنهم كانوا مخلصين في موقفهم من الدين واعتبارهم إياه يعبر عن حقيقة واقعة. هو -كما سنرى عند الكلام على نظرية ابن رشد- وجه الحقيقة المطلقة الظاهرة، إلى جانب الوجه الباطن وهو الحقيقة الفلسفية التي يطلع عليها الفيلسوف عند اتصال عقله بالعقل الفعال، أي عند مزاولته التفكير العقلي.
وليون غوتييه لا يخالف هذه النتيجة -أي إخلاص الفلاسفة الديني- ولكن مقدمته لا تتضمنها بل قد توحي بعكسها. . يجب إذن أن نقول: أن سبب نشوء فكرة التوفيق بين الدين والفلسفة عند الفلاسفة العرب، راجع إلى عدم استقرار الأوضاع بالنسبة لهم وعدم خلو الجو المحيط بهم دائما من المؤامرات والاختلاقات في حقهم، وأن لا يفهم من هذا أنهم كانوا منكرين للدين، بل كانوا مخلصين مؤمنين بالحقيقة الدينية إلى جانب الحقيقة الفلسفية، فكان عليهم لذلك أن يسوغوا موقفهم (مزاولة البحث في الفلسفة) ويدافعوا عن أنفسهم، فاضطرهم الأمر إلى التعمق في الكشف عن الصلات التي تربط الدين والفلسفة وبيان توافقهما، حتى وصلوا في ذلك إلى شأو جعل من نظريتهم هذه شيئا فريدا وطابعا أصيلا لهذه الفلسفة العربية خصوصا، كما تكامل مذهب التوفيق عند ابن رشد ووصل على يديه إلى ذروته، وبلغ غاية تطوره.