تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س4، ع4 /يناير 1961 ص38

التوفيق بين الشريعة والفلسفة: موازنة بين ابن رشد وسابقيه

للأستاذ: عبد اللطيف ملين

-2 -

والآن ما هي الأمور التي أثرت في تكوين هذه النظرية التي تمتاز بها الفلسفة العربية على غيرها من الفلسفات.

لا شك أن كل فلسفة وكل شيء من الأشياء تعمل على تكوينه عوامل متعددة، أهمها عوامل المحيط الأقرب إليه، أي عوامل البيئة التي يوجد فيها، على ألا ننسى عمله هو أيضا بعد تكوينه في البيئة نفسها، وعلى هذا، لا شك أن الفلسفة اليونانية قد أثرت في تكوينها عوامل البيئة اليونانية السابقة لعصر الفلسفة، إلى جانب تأثير المذاهب الفلسفية اليونانية الأولى نفسها على ما سيأتي بعدها من مذاهب، وإذا كانت الفلسفة اليونانية تتسم بطابع ما أو تتصف بإحدى الصفات المميزة كالوضعية أو التجريبية مثلا فهذا يمكن بكل تأكيد إرجاع أسبابه إلى البيئة الخاصة التي نشأ فيها التفكير اليوناني فإذا أخذنا نظرية الإنسان والبرابرة عند اليونان مثلا-إذ كانوا يعتبرون كل ما عدا اليونانيين برابرة متوحشين- فسنجد سبب هذه النظرة في إحساسهم بتفوقهم إبان ازدهار دولتهم وإشعاع حضارتهم، ثم إذا أخذنا النظرية المقابلة التي تسوي بين جميع الناس والتي نجدها عند متأخريهم كالرواقيين، فيمكن أن نجد أسباب هذا الانقلاب في الانحطاط السياسي -والفكري إلى حد ما- الذي أصاب بلادهم على إثر ظهور امبراطورية روما وأفول نجم الحضارة اليونانية.

وهكذا فيما يخص طابع هذه الفلسفة العربية في التوفيق، لا يصعب إرجاعه إلى أسباب تتعلق بالبيئة الإسلامية التي كان يعيش فيها أولئك الفلاسفة، والتي في محيطها نمت الفلسفة العربية.

يكاد يجمع مؤرخو الفلسفة العربية على أن الظروف التي عاشتها الفلسفة المدرسية العربية أحقابا طويلة، لم تكن ظروفا ملائمة لازدهار التفكير الفلسفي، فالفترات التي عرفت فيها الفلسفة العربية الاستقرار والازدهار، قليلة وقصيرة بالنسبة إلى الحقبة التي دامت فيها الحضارة العربية الإسلامية، والأوقات التي كانت تزدهر فيها هذه الفلسفة هي الأوقات التي كان يتولى الحكم فيها ملوك متسامحون ذوو ذهنية حرة ومتفتحة للعلوم العقلية. وقد اجمع الإجمال في هذا الصدد -على أن الفلسفة كان يهددها دائما في المملكة الإسلامية عدوان لدودان، لم يفترا عن الإيقاع بها كلما وجدا سبيلا إلى ذلك: الجمهور المتعصب من جهة، والمتعصبون من رجال الدين والمتكلمين من جهة أخرى (1) وهؤلاء كثيرا ما كانوا يحرضون الشعب على الانتقام من الفلاسفة بوصفهم زنادقة ملحدين، مارقين من الدين. هذا بالرغم من أن جميع الفلاسفة المعروفين لم يصب منهم أحد بأذى في روحه ولكنهم جميعا ما عدا الفارابي وابن طفيل -قد أصيبوا بأذى إما في سمعته ومركزهم الاجتماعي وخصوصا مركزهم القريب من الخليفة دائما أو الملك، أو نفوا أو سلبت

ليون غوتييه ابن رشد «الفصل الثالث» (1)

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٠٦٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٠٦٠