تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س. 4، ع4 /يناير 1961 .................... ص 29

فن أبي تمام

للدكتور عبد الكريم اليافي

الدكتور عبد الكريم اليافي أحد أساتذة جامعة دمشق البارزين، له مؤلفات قيمة في علم الاجتماع، والسكان والفلسفة والمنطق، تدرس بكلية الآداب، وتمتاز كلها بالدقة والعمق وإشراق العبارة، وقد استطاع بفضل ثقافته العلمية والأدبية الواسعة أن يكتب ويحاضر في كثير من مجالات المعرفة الإنسانية وأن يثير إعجاب طلابه والدارسين عليه.

وقد طلبت إليه مجلة دعوة الحق أن يبعث إليها ببعض بحوثه ومقالاته الشائقة فتفضل وخص المجلة بهذا البحث القيم عن فن أبي تمام، والمجلة إذ تتوجه له - باسمها وباسم قرائها- بالتحية والشكر الخالصين تتمنى أن يظل اتصاله بها دائما ومستمرا.

«دعوة الحق»

عندما نتناول بالدراسة جانبا من الشعر العربي، ينبغي أن ننتبه دائما إلى صفتين فيه متلازمتين وهما: أنه أولا ذو خصائص ذاتية تحتاج إلى إيضاح، لا يشاركه فيها أدب من الآداب العالمية الأخرى، وإنما يمتاز بها ويتفوق بحيازتها على سائر الآداب العالمية.

وأنه ثانيا فن إنساني عالمي، وهو من أجل ذلك لابد من أن يشبه الفنون العالمية الإنسانية الكبرى، وتشبهه من حيت خطوط النمو والتطور الرئيسية.

أما الوصف الأول، وهو أن الشعر العربي ذو خصائص ذاتية يمتاز بها، فيأتي في طليعتها استمراره وبقاؤه الطويل الخالد، مع احتفاظه الدائم بالجدة والنشاط والمرونة الكبيرة. ولم يتح هذا الاستمرار والبقاء لأدب من الآداب الأجنبية المعروفة.

فنحن اليوم في سنة 1961 نحتفل بشاعر عاش قبل اثنى عشر قرنا، ونتفهمه بيسر وسهولة، على رغم صعوبته هو وتعقيده. وذلك أننا ما زلنا نستعمل اللغة التي غنى فيها، ونتداول الألفاظ التي برع في طرافة تركيبها وملائمة بعضها لبعض، كما نتفهم بنفس اليسر والسهولة من أتى قبله من الشعراء منذ اكتمال اللغة العربية واشتهارها القديمين، على حين أن الأمم الأخرى ذات الآداب العالمية، لم يكن لها آداب ولا لغة قبل بضعة قرون. نحن إذن أمام خاصة يمتاز بها الشعر العربي واللغة العربية، وهي الاستمرار والبقاء بل الخلود. وبرغم هذا التقادم الطويل نستمتع في لغتنا وأدبنا وأشعارنا بمرونة عجيبة وحيوية طافحة ودقة لا تتناهى، وخصب وغنى استأثرت هذه اللغة واستأثر أدبها بهما دون سائر اللغات.

وأما الوصف الآخر، فهو أن الشعر العربي لما كان فنا من أعلى الفنون الإنسانية وأغلاها، لزم أن يكون قد مر بمراحل من التطور كبيرة ومهمة. ذلك هو منطق التاريخ المبرم. ولكن التطور الواسع، الذي أصاب الشعر العربي، كان تطورا خاصا، كان أفضل أنواع التطور. ذلك أن الشعر العربي قد تطور في غضون الأحقاب المتطاولة الماضية ما شاء أن يتطور، ولكنه أستطاع أن يحافظ مع ذلك على ذاته وجوهره دون أن يلحق به التطور خروجا عن طبيعته الأصلية، وإنما زاده غنى ومرونة وخصبا.

وإذا بدا لنا اقتران هذين الوصفين غريبا، فنحن تجاه شاعر لابد حين ندرس خصائص شعره الفنية من أن نشير تباعا إلى ذينكم الوصفين العامين. سيبدو

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٠٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٠٥١