لنا في فن أبي تمام عناصر التطور الضخم الذي اتسع له أفق الشعر العربي من جهة أولى، وذلك أن أبا تمام أكبر مجدد في الشعر العربي، كما سوف تبدو عناصر الفكر الفنية العالمية في شعر أبي تمام نفسه من جهة ثانية، وذلك كله من خلال بيانه العربي الأصيل المتصل بمرحلته التاريخية.
هذا البيان في عصره جمع رقة بردى، وعظمة النيل، وتدفق الفرات، وغطرسة دجلة، وزركشة بلاد سيحون وجيحون، وتهاويل وادي سيحان وجيحان1.
وقد أضاف إلى بياض النهار ونصوعه سواد الليل وغموضه، وإلى متوع الضحى وتألقة تأمل الأصيل وسحره، وإلى روعة العشيات وشجونها انبلاج الأسحار وفتوتها.
ضم إلى كثرة صور الأرض لالاء القمر، وبهاء الشمس، وكبرياء المشتري، وبأس المريخ، وظرف عطارد، وخصائص بقية السيارات والنجوم، كما جاءت أسماء هذه الكواكب جميعها في شعره
وقد ورث كنوز اللفظ، ولؤلؤ الكلم، وإبريز الحرف، وحلي القريض، وماس القافية، وزمرد الظلال، ووهج الألوان، وركب ذلك كله وصقله وحلاه في صنعة جديدة مبتكرة.
هذا فضلا عن كثرة الحركات وبراعة الإشارات، وخفاء التلميحات، وندرة اللهجات، وتنافر المتناقضات ورجع الأصداء القديمة والحديثة.
كان الشعر العربي قد مر نحو ثلاثة قرون على اتساعه واكتماله وتنوع أغراضه وتفنن التعابير فيه. وقد نبع من الشعراء الجاهليين والمخضرمين والأمويين وشعراء صدر الدولة العباسية من نبغ، وغنى منهم من غنى في أجواز البلاد العربية المترامية، وكأنما كان الشعر ينتظر تطور جديدا في التعبير وطريقة الصوغ بعد إذ عرف إرهاصات جديدة على لسان مسلم بن الوليد وبشار بن برد. ولكن رسالة الشعر الجديدة إذ ذاك، إنما قدر أن ينهض بها ويؤديها ذلك الفتى الناشئ الأسمر اللون، الطويل القامة، الأجش الصوت، ذو التمتمة اليسيرة، من قرية جاسم على طرف الطريق الذاهب من دمشق إلى طبرية. وكانت البلاد العربية إذ ذاك أغنى بلاد العالم قاطبة وأكثرها عمرانا، وأشدها تقدما وآلقها حضارة. كانت كنوز الدنيا تحمل إليها وتجبي لها. وكان عصر أبي تمام عصر خلافة الرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق، بلغ العلم والثقافة والفكر فيه أوج الاتساع والرقي والقوة. ويهمنا في الحين بعد الحين أن نربط بعض الشيء بين خصائص فن أبي تمام وبين صفات العصر العامة الذي عاش فيه، أما غنى ذلك العصر فربما يكفي إيراد مثل واحد بارز معروف لتذكير أبهة الحضارة وترف المعيشة وتفنن الحياة. ففي عصر أبي تمام، في سنة 210 هجرية، حصل عرس المأمون على بوران بنت الحسين بن سهل. ويذكر المؤرخون كيف فرش له يوم العرس حصير من ذهب، ونثر عليه ألف حبة من الجوهر، وأشعل بين يديه شمعة عنبر وزنها مائة رطل، ونشر على القواد رقاع بأسماء ضياع، فمن وقعت بيده رقعة أشهد له الحسن بالضيعة. وكان أبو تمام متصلا بأمراء عصره ورجال الدولة، وهو الفقير الذي بدأ حياته حائكا بدمشق ثم صار بمصر يسقي الماء في جامع عمرو، فاطلع على ألوان تلك الحياة المترفة و فانينها. ومن جملة من اتصل بهم ونال جوائزهم الحسن بن سهل هذا، حمو المأمون، والخليفة المأمون نفسه، وكذلك المعتصم من بعده، ثم الواثق وطائفة من قادة الثغور وأمراء البلاد. وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من أن يكون شعره محلى بأنواع الزينة تحلية تلك الحياة التي يحياها أولئك الرجال، مزخرفا بألوان البديع والصناعة زخرفة مجالي العيش الذي يعيشونه. ولا عجب إذا انتبه الشاعر إلى تلك المحسنات البديعية في صنعة متعمدة تظهر فيها أحيانا آثار الدأب والجهد.
فهو القائل في المديح:
يمدون من أيد عواص عواصم تصول بأسياف قواض قواضب
مجانسا بين عواص وعواصم وقواض وقواضب جناسا مذيلا.
1 حيث مدينة المصبصة التي انشد أبو تمام المعتصم مديحه فيها بعد معركة عمرية.