مؤلفه قبل أن يصدر في العراق وكذلك فعل مع القاضي أبي بكر الأبهري في شرحه لمختصر ابن عبد الحكم وقد بيعت أو نهبت عند حصار البربر (النفح عن ابن خلدون ج1 ص 182) وحدث ابن حزم أن عدة فهارس خزانة المستنصر أربع وأربعون في كل فهرسة عشرون ورقة بأسماء الدواوين فقط وكان في الخزانة المستنصرية أربعمائة ألف مجلد (ص 186).
ورغم ما ذكره المقري من أهل الأندلس السبق على أهل المشرق في ميدان العلوم (النفح ج1 ص 58).
فقد لاحظ ابن بسام في الذخيرة أنهم «أبوا ألا متابعة أهل المشرق يرجعون إلى أخبارهم المعادة رجوع الحديث إلى قتادة حتى لو تعلق بتلك الأفاق غراب، أوطن بأقصى الشام والعراق ذباب لحنوا على هذا صنما وتلوا ذلك كتابا محكما. وأخبارهم الباهرة.
وأشعارهم السائرة مرمى القصية ومناخ المزية لا يعمر بها جنان ولا خلد، ولا يصرف فيها لسان ولا يد (عن النفح ج 1 ص 581).
وقد أشار المقري إلى بعض خواص علماء الأندلس - وهي منطبقة على علماء المغرب أيضا - فلاحظ أنهم يعتنون بالحديث والفقه ويحفظ خواصهم- وإن كانوا مالكين - من سائر المذاهب ما يباحثون به بمحاضر ملوكهم ذوي الهمم في العلوم، وسمة الفقيه عندهم جليلة سموه الأمير الأعظم تنويها له بالفقيه وهي بالمغرب بمنزلة القاضي بالمشرق وإن كانت تطلق على الكاتب والنحوي وهم متوسطون في الأصول أما في النحو فإنهم في نهاية من الخليل وسيبويه مع أن كلامهم منحرف عن أوضاع العربية ومن أعرب استثقلوه في غير المخاطبات (النفح ج 1 ص 104).
ولاحظ المقري كذلك أن «لأهل الأندلس غرائب لم يعرفها كثير من المحدثين حتى أن في شفاء عياض أحاديث لم يعرف أهل المشرق النقاد مخرجها» (النفح ج1ص332).
والملحوظ أن التجانس كان أوثق بين أهل الشام وأهل المغرب فالفاتحون للأندلس هم أهل الشام وغالب أهل الأندلس من عرب الشام الذين اتخذوا بالأندلس وطنا مستأنفا وحضرة جديدة وقد نزل أهل دمشق بعرناطة وسموها باسمها (النفح ج 1ص 62) بينما سميت تدمير بمصر لشبه مادي بينهما حيث يسيح بأرضها نهر في وقت مخصوص من السنة ثم ينضب عنها فتزرع كما تزرع أرض مصر (ص 80) ولا يجهل أحد حملات العبدري وابن جبير وحتى ابن سعيد على أهل مصر ولعل الوحشية التي لوحظت بين المغاربة و المصريين في بعض العصور ترجع لسوء المسؤولين للمهاجرين والحجاج المغاربة فقد ذكر ابن سعيد أن المصريين يتعرضون لفقراء المغاربة بالقبض للأسطول وأن ذلك وقف عليهم لمعرفتهم بمعاناة الحرب والبحر وقد عم ذلك من يعرف معاناة البحر منهم ومن لا يعرف وهم في القدوم عليها بين حالين إن كان المغربي عنيا طولب بالزكاة وضيق عليه وإن كان مجردا فقيرا حمل إلى السجن حتى يحين وقت الأسطول. (النفح ج1 ص 498).
وقد رأينا ابن سعيد يبكي المغرب وهو في مصر قائلا:
هذه مصر فأين المغرب مذ نأى عني فعيني تسكب
في حين يلاحظ ارتياح كثير من علماء المغرب الراحلين للشرق إلى الشام بصورة خاصة.
وقد قال المقري (النفح 12ص34):
محاسن الشام أجلي
من أن تحاط بحد
لولا حمى الشرع قلنا
ولم نقف عند حد
كأنها معجزات
مقرونة بالتحدي
ولعل الاحتكاك الواقع في الحدود بين مصر ومغرب الموحدين كان له أثره بالإضافة إلى شراسة رجال الجمارك وقد سرى هذا الشعور في الحاشية بالبلاط المغربي حتى رأينا أبا العباس بن عبد السلام يخاطب أبا يعقوب:
ستملك أرض مصر والعراقا
وتجري نحوك الأمم استباقا
(البيان المغرب ج 4 ص 49).