دعوة الحق، س.4، ع4 /يناير 1961 .................... ص 21
حول ذكرى القرويين
للأستاذ ج أحمد بن شقرون
شهد القرن الثالث للهجرة مولد جامع القرويين في قلب فاس عاصمة العلم والعرفان، ذلك الجامع التاريخي العظيم الذي أسسته السيدة فاطمة الفهرية القيروانية في شهر رمضان عام 245 هـ الموافق سنة 859م. فحظى بما لم يحظ به جامع سواه من عناية فائقة وحفاوة بالغة. حيث اتخذ العباد مركزا هاما لعبادتهم، وخصه العلماء بإلقاء دروسهم بين أساطينه وفوق كراسيه. فلم يلبث أن انفراد بدراسات متنوعة وعلوم متعددة من عقلية ونقلية منذ أقدم العصور.
ولئن كان مركزا زاخرا بالعلوم الإنسانية بما فيها من طب وموسيقى فقد امتاز -علاوة على ذلك- بالدراسات الإسلامية العليا ذات الطابع العميق في بحث أسرار الشريعة الإسلامية وفلسفة اللغة العربية.
لذلك أمه الطلاب من جميع أنحاء الدنيا قصد الاغتراف من معينه الفياض لأنه كان الكلية الوحيدة التي ذاع صيتها ذاك وقد اعترف لها بهذه الأولية حتى المؤرخون الأجانب فقد كتب عنها أحد علماء الروس يقول:
إن أقدم كلية في العالم ليست في أوربا كما كان يظن بل في افريقيا في مدينة فاس عاصمة بلاد المغرب إذ بتحقيق بالشواهد التاريخية أن هذه المدرسة كانت تدعى كلية قيروان ... في الجيل التاسع للميلاد (الثالث للهجرة) وعليه فهي ليست فقط أقدم كليات العالم بل هي الكلية الوحيدة التي كانت ملتقى طلبة العلوم السامية في تلك الأزمنة حيث لا يعرفون من الكليات إلا الاسم ولذلك كان الطلبة يتواردون عليها من أنحاء أوربا وانجلترا (وبلاد العرب) للانخراط في سلك طلابها وتلقي العلوم السامية باللغة العربية مع الطلبة الطرابلسيين والتونسيين والمصريين والأندلسيين وغيرهم.
وهذه الأرقام الحسابية التي تعلمها في القرويين سلفسر الثاني ونقلها إلى أوربا لا تزال شاهدة بصحة ما نقول.
والحركة العلمية التي خاض غمارها في القرويين -أعلام الدين والفكر والأدب منذ أوائل القرن الرابع للهجرة مثال ناطق بما كان لعلمائها من هيام بالمعرفة وانقطاع إليها حتى أن بعضهم- مثل ألو ميمونة دار ابن إسماعيل المتوفى عام 357 هـ بني له مسجد بحي مصمودة بفاس ما زال يعرف إلى الآن باسم مسجد سيدي الدراس لكثرة دراسته للعلم وانقطاعه إليه.
هذه الحركة العلمية النشيطة الني دأب عليها العلماء في الماضي لفتت أنظار الدول التي تعاقبت على المغرب فكان لذلك أثره البين في الاهتمام بالقرويين.
فهذه رحابهم تتسع وهذه مستودعاتهم تشهد وهذه أبوابها تكثر فباب للقضاة وآخر للموثقين وآخر وآخر للعميان وآخر للجنائز وآخر للكتبيين وآخر للنساء بإزاء دار يتهيأن فيها للصلاة ... إلخ.
وهذه زاوية للقراء وهذه خزانة كبرى للتراث وأخرى لحفظ المصاحف. وهذه مياه عذبة جلب إليها من بعيد وهذه غرفة الموقت ومقصورة المفتي ومقصورة الخطيب وهذه مجانات شمسية وغير شمسية للمحافظة على أوقات الصلاة. وهذه ثرياها الكبرى تحتضي