مقاومة العدو وتحديه، فتخرج الجماهير للشوارع متظاهرة محتجة لتصطدم بقوة العدو ويموت أفراد منها برصاصه ويساق الباقون إلى مراكز الشرطة والمحاكمة والمنافي والسجون.
ومن طلبة القرويين ومتخرجيها كان الدعاة ينتشرون لبث الفكرة الوطنية والتبشير بها وتكوين الحلقات السرية في البوادي والجبال والصحاري والقرى النائية والمناطق المحرمة التي لا يستطيع غير أبنائها الدخول إليها، متعرضين للسجن والضرب والاضطهاد والقضاء على مصالحهم ومستقبلهم.
رد الفعل
ومن الطبيعي -مع هذا التاريخ الطويل، المتصل قديمه الحفيل، بحديثه المجيد -أن يعرف العدو للقرويين وما تمثله وتحرسه من ثقافة إسلامية ولغة عربية، هذا المقام المحمود، فيبادلها عداء بعداء، ومقاومة بمقاومة، ويعمل بجميع ما لديه من إمكانيات غير محدودة على تحطيم هذه القرويين وثقافتها، والقضاء عليها ماديا وأدبيا.
ومن الطبيعي -كذلك- أن يشتد الصراع بين من يدافعون عن سيادة المغرب وشخصيته وثقافته، وبين أعداء البلاد حول هذا المعقل الشامخ وما يحمله من فكرة مقدسة حفظت للمجتمع تماسكه عبر القرون، وحالت دون انهياره أمام الغزو الأجنبي الماحق.
والمجال الضيق لا يسمح لنا الآن بالإشارة إلى شيء من الكفاح العنيف المتواصل الذي قام به المستنيرون من أبناء جامعة القرويين طلبة ومتخرجين، وأساتذة وموظفين سامين، في الحفاظ على كيان هذه الجامعة وصيانتها من الاضمحلال.
ولكنا نشير - إلى ما تضمنته من ذلك خطب صاحب الجلالة محمد الخامس - قائد معركة الكفاح في سبيل المحافظة على سيادة الأمة ومقدساتها ومقومات كيانها- فإن جلالته ما زال يشيد بفضل القرويين ومهمتها الأساسية في المجتمع، والآمال العظيمة المعلقة عليها، والعراقيل التي تعترض العمل لصالحها، وقد أشار جلالته لذلك في خطبه بتاريخ جمادى الأولى 1360هـ يونيه 1941م و ج ح 1363هـ يونيه 1943م وذي القعدة 1365هـ نوفمبر 1946م ومحرم 1367هـ نوفمبر 1947م ومحرم 1369هـ نوفمبر 1949م وصفر 1371هـ نوفمبر 1951م وصفر 1372هـ نوفمبر 1952م.
ويكفي أن نورد هنا ما ورد في الأخير منها الذي هو أخر خطاب للعرش ألقاه جلالته قبيل الأزمة التي بلغت أوجها بالاعتداء الشنيع على السيادة المغربية في شخص جلالته.
«وقد علمنا ما كان للمعاهد الدينية من اثر في حفظ الشريعة ودفع الشبهات عنها، وبث الأخلاق الفاضلة ونشر العربية، فوجهنا عنايتنا لجامعة القرويين التي كان لها الحظ الأوفر في المحافظة على كيان الحضارة الإسلامية، وإمداد البلاد بعلماء أعلام، كانوا مفخرة في تاريخ الإسلام، فما تركنا وسيلة ترد لها مجدها، وتعيد إليها سمعتها إلا اتخذناها فوضعنا لذلك نظاما توخينا فيه أن يساير المعاهد الدينية الناهضة في البلاد الإسلامية، وطبقناه في جامعة أبن يوسف وفي معهدي مكناس وطنجة، وكان أملنا أن يزدهر هذا النظام ويعم تطبيقه سائر المعاهد في أمد يسير، لولا ما يعترض هذا العمل من عراقيل، نحن جادون في تذليلها».
وفق الله جلالته للمحافظة على هذه الجامعة الدينية والنهوض بها، فإنها مفخرة عظيمة للمسلمين أجمعين، وهي أمانة الأجيال السابقة للأجيال اللاحقة، وأعان جلالته على التغلب على ما لا يزال يعترضها من عراقيل.