تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جوفها -ولا يملأ قوارير- سرجها من الزيت إلا خمس قلل- تفتق السنة الشعراء فيتفنون في وصفها إلى نقوش بديعة وآثار فنية رائعة، إلى جانب ما وقف على علمائها وطلبتها والقائمين عليها من محبسات ما فتئت تشهد بما كان لحكومات المغرب وشعبه من عناية فائقة بالقرويين لأن الرسالة المقدسة التي استمرت قائمة بها منذ عدة قرون كانت تفرض هاته العناية.

ولئن كانت الأعاصير الزمنية أوشكت أن تعصف بها من وقت لآخر كانت تصمد ضد تيارها فيكون النصر في الأخير حليفها لأن للبيت ربا يحميه.

ولكنها منذ ابتلاء المغرب بالحماية سنة 1912 أخذ ظلها يتقلص من جراء الضربات المتوالية الموجهة إليها.

وفي فترة وانية من فترات حياتها يأبى صاحب الجلالة الملك المعظم سيدي محمد الخامس إلا أن يراب صدعها ويلم شعتها ويضم شتاتها ويجمع من بقى من علمائها وطلبتها فيصدر ظهيرا شريفا بتاريخ ذي القعدة عام 1394 هـ الموافق 29 مارس سنة 1931م. في شأن تعيين مجلس أعلى للإشراف عليها و (سن ضابط كفيل بتحسين حالتها فيما يرجع لانتخاب العلماء المدرسين وتعيين الفنون التي تدرس فيها والتآليف التي تقرأ بها والأوقات التي تلقى فيها الدروس وما يتعلق بذلك صونا لكيانها وحفظا لبهجتها ونظارتها وحرصا على دوام عمارتها وتعظيما لشأنها).

وعقب ذلك تكون مجلس تحسيني داخل القرويين للسهر على تنفيذ ما سنه المجلس الأعلى من قوانين وما وضعه من ضوابط وبرامج وبمقتضاه أصبح النظام في القرويين منذ ذلك التاريخ مشتملا على طور أول يحتوي على ثلاث سنوات وطور ثان يحتوي على ست سنوات وطور عال يحتوي على قسم شرعي مكون من ثلاث سنوات وآخر أدبي مكون من ثلاث سنوات أيضا. ومن اجتياز المراحل كلها ونجح في آخر امتحاناتها نال شهادة العالمية، عوضا عن الإجازة القديمة التي كانت تعطى من طرف كبار العلماء لمن حصلت له ملكتهم. وهكذا بدأ النظام في القرويين وتخرج منه 334 عالم من بينهم خمس فتيات وهؤلاء هم القائمون في التعليم الأصلي والعصري بتدريس المادة الإسلامية وعلوم اللغة العربية أو تفتيشها وعاملون في الميدان القضائي والإداري والدبلوماسي في بعض السفارات ويرجع الفضل ف يذلك لصاحب الجلالة الذي ما فتئ يرعى هاته المؤسسة وأخواتها في أنحاء المملكة الشريفة بعناية الملحوظة فيزورها بنفسه الكريمة من آن لآخر ويتحدث عنها في خطبه السنية كلما عنت مناسبة قال جلالته: (إن من حق هذه البلاد أن تعتز بتاريخ ثقافي عريق فمنذ العهود الأولى لانبثاق فجر الإسلام في ربوعها ظهرت من بين المغاربة أو الوافدين عليهم طائفة من العلماء الذين انصرفوا إلى إماطة لثام الجهل عن العقول وغرس مبادئ الدين الحنيف في النفوس وتبصير الناس بما فرض عليهم دينا ودنيا. ومن هذه الطائفة كانت النواة لأول مركز ثقافي عرفه المغرب وكان من بين المراكز الثقافية المعدودة على الأصابع آنئذ هذا المركز هو الذي عرف باسم القرويين والذي صار منذ ذلك الحين منهلا دفاقا بشتى أنواع العلوم والآداب العربية يسعى إليه المغاربة وغيرهم من كل حدب وصوب ليكرعوا من حياضه ويرتووا من معينه ولعل ما نالته القرويين من عناية أسلافنا المقدسين بها واهتمامهم العظيم بشأنها قد ضاعف عناية واهتمام جميع الذين سقوهم ممن تداولوا الحكم بهذه البلاد إذ كانوا يرونها المنار الذي يشع ضياء المعرفة والإيمان والحصى الذي تحتمي به لغة القرآن وآدابها في هذه الديار ففي عهدهم أدخل عليها نظام أشبه بالنظام الجامعي).

وهكذا قيض الله للقرويين من رجال الدولة العلوية من يسهر عليها ويدأب في العمل على رقيتها. ولم يكن اهتمامهم بالمعهد القروي بأقل من الاهتمام الذي كانوا يولونه لابن يوسف بمراكش وذلك جريا على مألوف عادتهم ورحمهم الله من عدم إدخار أي وسع للنهوض بالمستوى الثقافي بهذه البلاد وإشاعة العلوم والمعارف بين كافة الناس وقد لا نحتاج إلى أن نذكر كم بما تم على يدنا في أوائل عهدنا باعتلاء العرش من تأسيس نظام بكليتي القرويين وابن يوسف كان له أبعد الأثر في ترقية أساليب التعليم بهما وبما جددناه أو أحدثناه من معاهد وفروع تابعة لهما كمعهد تطوان ومعهد مكناس وطنحة ووجدة وتارودانت ومعهد الفتيات بفاس الملحق هو أيضا بالقرويين وذلك ما أذكى الروح العلمية في مختلف نواحي البلاد).

هكذا يأبى صاحب الجلالة إلا أن ينثر هذه الدرر الغالية تخليدا لتاريخ القرويين المجيدة وتاريخ أخواتها.

وقد توالى على كرسي الرئاسة بالقرويين عدد من كبار العلماء وشيوخ الإسلام الذين لا يتسع المقام للتحديث عنهم. وفي فترة حالكة من فترات حياتها أسند

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٠٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٠٤٤