فقد كان من فقهاء القرويين من يخوض المعارك الحربية بنفسه دفاعا عن السيادة الوطنية، ومنهم من استشهد في سبيل الله.
ومنهم من عبأ الجيوش إلى الثغور وشن الغارات على العدو وانتزع منه ما بيده من القلاع والحصون.
ومنهم من وقف نفسه على الرباط وحراسة الثغور استعدادا لرد العدوان المتوقع.
فيهم من فعل ذلك بتعاون مع السلطة القائمة أو اتفاق معها، وفيهم من فعل ذلك ضد هذه السلطة لاتهامها بالتهاون في القيام بأول واجب عليها والذي ليس لأية سلطة أي عذر أو مبرر للتهاون فيه، فإذا تهاونت أو أهملت فقدت مشروعيتها ووجب على الشعب العمل الايجابي المباشر بكل الوسائل الممكنة للدفاع عن سيادته وحمايتها.
ومنهم من تصدى للتحريض على الدفاع عن البلاد ورد العدوان عنها واسترجاع ما احتله العدو من أجزائها والاستعداد لذلك بكل قوة ممكنة.
وقد استعملت في هذا السبيل مجالس التدريس ومجالس الوعظ والتذكير، وخطب الجمعة، والقصائد الشعرية، والأزجال، والمؤلفات، والرسائل، والفتاوى والأجوبة.
ومن ابرز المواقف الوطنية لبعض فقهاء القرويين:
1 - جوابهم لمحمد بن عبد الله السعدي عند استعانته بالبرتغاليين (القرن 10هـ 16م).
2 - ومعارضتهم لمحمد الشيخ في تسليم العرائش للاسبانيين (ق 11 هـ 16م).
3 - وتأييدهم للمجاهد العياشي (ق11هـ 17م).
4 - ومطالبتهم بتحرير بقية المناطق كسبته ومليلية - بمناسبة تحرير العرائش- (ق12هـ 17).
5 - ودعوتهم لتأييد الجزائر تأييدا مسلحا عند الاعتداء الفرنسي عليها (ق13هـ19م).
6 - ومطالبتهم بتنظيم الجيش المغربي على النظام الحديث -بعد هزيمة أيسلي (ق13هـ 19).
7 - واستنكارهم احتماء المغاربة بالدول الأجنبية (ق14هـ19).
8 - ودعوتهم لتحرير وجدة والدار البيضاء، وغيرهما مما احتله الفرنسيون والأسبان (ق14هـ20م).
9 - ومقاومتهم للحماية المفروضة على البلاد، مقاومة مسلحة أحيانا وسلمية أحيانا أخرى (ق14هـ 20م).
وقد جمعنا كتابا في هذا الموضوع يتضمن بعض الأسماء، والأحداث والتواريخ وبعض المختارات الشعرية والنثرية وتلخيصا لبعض الفتاوى والأجوبة والمؤلفات وخطب الجمعة ونحو ذلك من الوثائق والمستندات، معتمدين على كثير من المخطوطات التي لم يسبق نشرها، أو التي وفقت للظفر بها أثناء تنقيبي عن نوادر المخطوطات، من غير أن نقف على الحديث عنها أو الإحالة عليها في أي كتاب.
فعسى أن تتهيأ الفرصة قريبا لظهوره مطبوعا بين أيدي القراء.
وكما وقف شاعر في القرن 7هـ13م ينشد قصيدة في صحن القرويين يوم الجمعة بعد الصلاة لاستنفار المجاهدين، فبكى الناس وانتدب كثير منهم للجهاد.
ونكست -في نفس القرن- راية الأعداء في أعلى منار القرويين احتفالا بالانتصار.
وطاف في القرن 11هـ 16م احد المومنين على مجالس العلم بفاس مناديا بالجهاد والخروج لإغاثة المسلمين بالعرائش.
كذلك كانت في هذا القرن تقع التجمعات في القرويين للاحتجاج على تصرفات السلطات الأجنبية وأعمالها.
وفيها كان الخطباء من متخرجين القرويين وطلبتها يخطبون لاستنهاض همم المومنين وتحريضهم على