هاما له آثاره البعيدة في تطور البلاد واتجاهها، إذ ما لبثت أن أصبحت مركزا لنشر الثقافة الإسلامية، والحضارة العربية، بمن توافد عليها من عرب المشرق والمغرب، ثم بمن استعرب على أيديهم من أبناء البلاد- بعد أن كانت من قبل مقاطعة تابعة للقيروان التي كانت هي أيضا تابعة لبغداد - وانتشرت مراكز الثقافية العربية في طول البلاد وعرضها في السهول والجبال، والشواطئ والصحاري، شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، في صورة كتاتيب، ومساجد، ومدارس ورباطات، وزوايا - وبيوت خصوصية أيضا- يتلقى فيها اللغة العربية والثقافية الإسلامية ذكور وإناث، أطفال، وشبان، وكهول وشيوخ، من جميع الأعمار، وعلى جميع المستويات الدراسية، من دروس محاربة الأمية والوعظ والإرشاد، إلى الدراسات العالية، في جميع فروع المعرفة العربية، كما تأسست إلى جانب ذلك المكتبات العلمية، ما بين خصوصية وعمومية.
وكان مركز جامعة القرويين في هذا الجهاز الثقافي الضخم، مركز الرأس المفكر، والعقل المدبر، والرئيس الموجه، فيها يتكون قادة الفكر، وبين أساطينها يتربى زعماء الرأي، وإلى مدرسيها والمتخرجين منها - ومن فروعها- تلجأ البلاد شعبا وملوكا ورؤساء، إذا حزب أمر أو دهم خطب، وإليها يرجع الفضل -أخيرا- في جلب كل نفع للبلاد، ودفع كل خطر عنها.
فكل من تلقى العلم بفاس فهو من القرويين، وكل عالم ورد على فاس من الأندلس أو الشرق أو بقية المراكز العلمية بالغرب الإسلامي على العموم أو المغرب الأقصى على الخصوص عد من أهل القرويين، وكل درس بالقرويين ثم انتقل إلى مركز أخر داخل البلاد أو خارجها، ليتولى الملك أو الوزارة أو السفارة أو الجهاد أو القضاء أو التعليم أو الإرشاد أو غير ذلك فهو معدود من أهل القرويين إذ كانت المركز الرئيسي في البلاد للثقافة الإسلامية العربية المغربية التي لم تعرف البلاد في يوم من الأيام ثقافة غيرها منذ دخلها الإسلام إلى أن نكبت بالاستعمار ففرض عليها ثقافته الأجنبية الاستعمارية الإلحادية الإباحية الهدامة.
ولسنا نحاول ادعاء أن جميع من انتسب للقرويين - منذ نشأتها إلى الآن- قد قام بواجبه في الدفاع عن السيادة الوطنية خير قيام، وفق ما تقضي به التعاليم التي احتفظت بقداستها في جميع المجتمعات الإسلامية منذ نشأة الإسلام إلى الآن، كلا! ومعاذ الله!
فجامعة القرويين جزء من مجتمع وأساتذتها وطلبتها من صميم هذا المجتمع، خضعوا في نشأتهم وتربيتهم وسلوكهم لكثير من العوامل المختلفة التي ليست الثقافة التي تلقوها في هذه الجامعة إلا جزءا منها، وقد تعاقبت على هذا المجتمع عوامل القوة والضعف والتماسك والانحلال، والاستقامة والانحراف، وقد نالت الجامعة ولا شك حظها من ذلك كله.
ولكن فضل القرويين إنها نشرت في المجتمع الإسلامي هذا الشعور العام بقدسية السيادة الوطنية قدسية دينية لا مجال للبشر في تحريفها أو تأويلها أو التسامح في شيء منها فإذا تهاون بعض الناس في القيام بواجب الدفاع المحتوم عنها، لجبن، أو طمع، أو عجز، أو نفاق، اصدر المجتمع عليه حكمه الذي لا معقب له.
مظاهر مساهمة القرويين في الدفاع عن السيادة الوطنية
تجلت مساهمة القرويين في الدفاع عن السيادة الوطنية والدفاع عنها في مظاهر مختلفة فهناك -أولا- هذه الشريعة الإسلامية التي لا تسمح للمسلم بأن يخضع لسلطة غير إسلامية ولا تقبل منه أي عذر في ذلك، وتوجب على جميع المسلمين في جميع أنحاء الدنيا أن يعملوا لإنقاذ المسلمين- حيثما كانوا- من كل سلطة غير مسلمة أخضعتهم بالقوة وعجزوا عن التخلص منها، وكل من اختار من نفسه الرضوخ لسلطة غير إسلامية أو استعان بها ضد المسلمين أو أعانها عليهم أو على انتزاع ارض من سلطتهم فهو مرتد عن الإسلام بفعله ذلك - وأن صلى وصام وزكى وحج واعتمر وزعم انه مسلم- ويجب على جميع المسلمين مقاومته مقاومة الأعداء ومن تجسس للأعداء على المسلمين وجب على المسلمين قتله ولا تقبل منه توبة.
فهذه الأحكام -وأشباهها تقرر في مختلف دروس القرويين العادية فقها مسلما تؤيده آيات القرآن وأحاديث الرسول وحوادث السيرة النبوية والتاريخ وسير السلف الصالح ونصوص الفقهاء.
وهناك -ثانيا- إلى جانب هذه الروح النظرية الوقائع الوقتية التي يطبق فيها عمليا بعض فقهاء القرويين هذه النظريات الفقهية على الحوادث الواقعية المتجددة