وأينما حلوا حلت الأنوار، واستنارت القلوب، وتخلصت الأرواح، وراجت السوق، وبنيت المدرسة، وعبدت الطرق وتقعد الفن.
وتدفقت الأحداث تلم الأحداث على المشرق، وعلى ما يتصل بالمشرق، ففر منه الفارون واستشهد المجاهدون، وعصفت العصبية الجامحة بآل البيت وأحباب آل البيت فخضبت البقاع بدم من بكتهم الأرض والسماء، وإلى الله المشتكي.
وطلع النهار وأشرقت الشمس على دنيانا، وهبت نفحات النبوة تحمل الرحمة والنور!! واقبل راشد يقود راحلة إدريس بن عبد الله بن الحسين وفاطمة بنت رسول الله (ص)
إن النفحات الرحمانية إذا أخطرت على القلوب غسلتها وإذا مرت على الأخلاق هذبتها، وإذا مست الأرض أخصبتها، وإذا لمت البداوة مدنتها.
وكان المولى إدريس رضي الله عنه إحدى نفحات الرحمة عطرت دنيانا، وأرجت أرضنا .. فأسس دولتنا ووحد قبائلنا .. وأعلن استقلالنا، وجعلنا_كما أمر الله _ أمة واحدة تترعرع أشبالها بعناية آل البيت المبارك، فتجانست الأفكار، وانسجمت الطباع، وتآخت الأقوام، فانصرف همها إلى الجهاد والفتح، والبناء والتأسيس.
ولست بمعترض للأحداث ففيها تفصيل، وفي التفصيل تطويل، وللتطويل قلم آخر، وأسلوب غبر هذا، أعاذنا الله من الجفاف واليبوسة، وزج بنا في الليونة والطراوة، وأرانا بنو ار البصيرة ما في النفحات الرحمانية من الأسرار، وما في هذه الأسرار من الحقائق.
لقد انسجمت أرواح المغاربة مع روح المولى إدريس حفيد رسول الله (ص) فتكونت الدولة المغربية العظيمة وقالت للدنيا: الله ربي، والقرآن دستوري، وحفيد رسول الله أمامي، والتوحيد شعاري، فاندكت العصبيات، وتوحدت القبائل وأينعت الرجولة الممزوجة بالنبل، وضاع شذاها فعطر سباسب الصحاري، وأدغال إفريقيا فكان الصفاء والتصفية، وإذن الله، فآمن الناس فآمنوا، واسلم الناس واستلموا، واخلصوا فعزوا، واطمأنوا فسعدوا.
وتدافعت الأمواج تلو الأمواج، والأحداث تتلون بتلون الأغراض: فمن مطمح إلى دعوة، ومن دعوة إلى رأي، ومن رأي إلى مذهب، ومن مذهب إلى عقيدة ومن عقيدة إلى سيف، ونحن نحمد الله، ونشكر نعمته بالمحافظة على ما به ميزنا، من وحدة في الدين، ووحدة في الأي ووحدة في المذهب، ووحدة في العقيدة، فلم نغمس يدا فيما ابتلى به المشرق الحبيب من الإختلاف ولم نشارك فيما تأجج فيه من الحروب .. فبينما (الخوارج) يريدون الباطل بكلمة الحق، فيصولون بصوارم البداوة والصعلكة يقطعون الطرق، فيجيرون المشركين، ويقتلون الموحدين.
إذا بفدائيي (الشيعة) يتدرعون (بالتقية) في نور الشمس، ويبروزون بخناجر الانتقام تحت أحلاك الليل، فيبعثون القلق والرعب في نفوس الناس أجمعين، وبينما (محكمة العقل) يقولون قولهم في القدر والقرآن ويجعلون (الاعتزال) العدل والإيمان، فيسلطون على الفضلاء اسواط الامتحان .. إذا بالحيرية والمرجئة يتخدون التثبيط والتعطيل سلاحا للتسليم والتخديل .. وهنالك ابتلى المسلمون بالتأول والتأويل، والفتنة والتضليل .. حتى المذاهب التي قالت: إنها هي (السنة) كان لها_وياللأسف_ شأن في الاختلاف والقتال، ومقام في المناظرة والجدال.
نقول: بينما المذاهب والنحل يتجاذب أطراف الحديث المز في معركة (الإيمان والكفر، والاجتهاد والتقليد، التشبيه والتنزيه، والتفويض والتعطيل، تارة بالقول الصارم، وتارة بالسيف القاصم، إذا في المغرب_ كما قدمنا_ عقيدة واحدة، ومذهب واجد، واتجاه واحد، وأمة واحدة .. بل .. وأمام واحد ..
واستطاع المغرب أن يحافظ على الاستمتاع بميزته هذه طوال الدهور، وأن ينجو من فتنة السيف والجدل أثناء تعاقب الدول والعصور، وما هبت لفحة من سموم جهنم إلا وقالت وحدة الدين: إنا لها، وحتى في أيام المحنة الكبرى والابتلاء العظيم، وتحكم الذين يكفرون بالقرآن والإسلام عندنا لأراد الاستعمار أن يبعث الجاهلية الأولى من مراقدها، ويحيي العصبية الجنسية من مقابرها، ويثير حرب (العربية والبربرية) وقف المغاربة صفا واحدا وقالوا قولتهم الشهيرة: لسنا بربرا ولسنا عربا، وإنما نحن مسلمون، ديننا