دعوة الحق، س4، ع4 /يناير 1961 .................... ص11
المغاربة أمة مسلمة واحدة
للأستاذ ج محمد بن العربي بنونة
برقت لوامع الهدية تنير السبل للخيل والرجال، فانساب النور من الكعبة المشرفة، والحجرة المنورة، أمواج تلو أمواج، تمنح جميع ما في الطبيعة الهدية من الإيمان والرحمة، والخير والقوة، وتكتسح جميع ما طبيعة الضلال من الشر والانخذال والكفر والقسوة حتى غسلت بزمزم ما يحيك في الصدور من ضغينة، وما يرين على العقول من تقليد، وما يسيطر على المجتمع من استبعاد، وما يتسلط على الأرواح من أوهام.
وكانت هذه الأمواج التي تتدفق من البيت الحرام ومن البيت النبوي تعطي المثال لتعاليمها السماوي بامتثالها وبمثلها العليا بأخلاقها.
وتسابق الصحابة وأبناء الصحابة، والتابعون وأبناء التابعين إلى تبليغ الرسالة، وأداء الأمانة فابلغوا إلى سكان الأرض جميع ما نزل من كلام السماء، وقالوا للناس: أيها الناس، أن الإله الواحد هو وحده فاعبدوه، ون الدين المقبول عند الله هو الإسلام وحده فاتبعوه، وأن المسلمون هم: أمة واحدة فاتحدوا، أنكم متساوون في الحقوق والواجبات وشركاء في الخير والرحمة، ولا فضل لأحد على أحد، وإنما هي إخوة وحب واعتصام وتعاون، فلا يكمل إيمانكم حتى تتآخوا، ولا تدخلون الجنة حتى تتحابوا، ولا تعزوا في الدنيا حتى تعتصموا بحبل الله، ولا تزدهر حضارتكم حتى تتعاونوا على البر والتقوى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم).
وسارت هذه الأمواج تلو الأمواج من بطاح مكة، وسهول المدينة تتدفق بهذا الخير العميم، حتى خيمت بأرضنا، واستقر بربعنا، وقف قطب رجاها، وقائد هداتها على شاطئ بحرنا.
ووقف صاحب رسول الله (ص) .. ووقف عقبة بن نافع على الشاطئ يدفع بفرسه غاصت قوائمها في ماء الأطلسي- والأمواج تلو الأمواج تتكسر عليها - وهو يرقب الآفاق الواسعة ما بين السماء والماء انه المحيط .. انه بحر الظلمات .. انه آخر الدنيا .. هذا مغرب الشمس، فرفع كفيه، وطمح بعينه، ودعا ربه بإخلاص الصحابي، وقال كلمة المجاهد في سبيل الله، المستميت من أجل إعلاء كلمة الله: (اللهم رب محمد لو أعلم أن وراء هذا البحر أرضا تغزى في سبيلك لغزوتها).
وخشعت الأصوات لصوت عقبة بن نافع، لأن فيض الإيمان تسكن له القلوب، وتدين له القلوب، وتدين له العقول وتهيج له السواكن، وتطمئن عنده الأرواح، فهو كالغيث المنبجس، كله بركة وكله رحمة، انه صوت صاحب رسول الله (ص)، والله ذو الفضل العظيم.
فح أرضنا الإسلام، وللإسلام وحده وتدافعت الأمواج تلو الأمواج بالأناسي الذين اقتبسوا الأنوار من مصابيح الهدى، من صحابة رسول الله، واستقوا الأخلاق من منابع الاستقامة، إتباع نبي الله، فكان لهم في هذه البلاد الجميلة لون لا تضاهيه الألوان، لأنه لون الوحدة التي أرادها الله المومنين، وبالتوحيد والحدة ابتدأت قصة المغرب العظيم، وورد التاريخ، كلمة الله الخالدة: (وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون).
وتدفقت الأمواج تلو الأمواج، تدخل في دين الله بالأفواج، فقد جاء نصر الله والفتح، وكتب المغاربة بدمائهم على أرضيهم وعلى صحاريهم وفوق جبالهم آيات إسلامهم، ومعجزات إيمانهم، فعبروا الزقاق وانشأوا أندلسهم وولجوا في الصحراء وفتحوا سودانهم،