ويبدو من كلام السيد رشيد رضى أنه كان للجمعية مبادئ سرية «وغرض بعيد». وهذه المبادئ القوية لم تكن حينذاك، وهنا يبدو تشابه بين هذه الجمعية وبين جمعية الماصونية التي تعيش في عالم الغموض والتستر والتنكر والمكر والخديعة، ولكن مع ذلك فإن جمعية جمال الدين ومجلته كانت تهدف إلى ناحية إنسانية أيضا كما يصرح بذلك في المجلة، أي إلى تقوية الصلات العمومية بين الأمم، وتمكين الألفة في أفرادها، وهذه كم دعوة الإسلام الذي يستهدف التعاون بين الشعوب والقبائل. غير أن المجلة -كالجمعية- لم يكتب لها البقاء لخطرها على الاستعمار الإنجليزي والعالمي. وقد عاب الدكتور محمود قاسم على جمال الدين مسالمته لفرنسة، مع أن الاستعمار واحد. ولكن الذي بدر لجمال الدين ذلك هو يد الإنجليز وتحت سيطرته، وأن الاستعمار الإنجليزي يهدد سرا وعلانية الخلافة الإسلامية وينازعها مصر التي كانت - وما تزال - مركز ثقل الدعوة التحررية الإسلامية. وزيادة على ذلك فإن الهدنة مع فرنسا لا تعني أن جمال الدين كان راضيا عن مخازيها، وإنما اتخذ بلادها مركزا لمجابهة أعدائه الآخرين الذين ضيقوا عليه الخناق وطاردوه في كل بلد، فلم يجد مفرا من الإقامة في باريس التي سمحت له بإصدار مجلته ولو إلى حين.
وليتفق (الكواكبي) مع جمال الدين في كثير من تلك الأفكار، لكنه يلح على الناحية الاقتصادية كتوزيع الثروة والإنتاج والعمل، غير أن ذلك كان في شكل غير دقيق ولا عميق. أما محمد عبده فكان ذا كمنهاج خاص يختلف عن منهاج أستاذه، وهو موضوع مقالنا في العدد المقبل إن شاء الله، فإلى اللقاء.
«يتبع»
ـــــــــــــ
لا رهبانية في الإسلام
عن أنس رصي الله عنه أن نفرا من أصحاب النبي (ص) قال بعضهم لا أتزوج يعني ليتفرغ للعبادة، وقال بعضهم أصلي ولا أنام وقال بعضهم أصوم ولا أفطر فبلغ ذلك النبي (ص) فقال ما بال قوم قالوا كذا وكذا لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني.