- ومن أين تريد أن تكسب هويتك إذن؟ من السجن المدني مثلا؟ وندت منه ضحكة مصطنعة فأجاب أحمد: لم أعد أخشى السجن ولم أعد بحاجة إلى هوية «دار الخليفة» لأنني أملك بعد هويتي ولم تضع مني كما توهمت عشية أمس، وإنما كنت بحاجة إلى نبذ الخوف.
- وهل نبذت الخوف؟
- أعتقد أني بحالة وعي جديد؟ بعيدا عن الخوف.
- إذن أنت عازم على فعل شيء ما؟
اندهش أحمد لهذه الجرأة التي طرق بها الحسين نفسه، لقد أنقذه من حيرته المرتبكة مع نفسه، بيد أنه شعر برعدة خفيفة تكاد تشل لسانه، فاعتزم ليقطعن كل سبيل للضعف على نفسه، فقال وقد عرته حمى شديدة كان مبعثها حب الانتقام لنفسه:
- هيهات. وشعر بأنه ما زال يختفي وراء كلمات الضعف، فزاد قائلا: إذا وجدت .. وقبل أن يتمم كلامه وقف رب المعمل وهو في أثناء تطوافه على العمال وخلفه أحد العمال وهو منتفخ الوجه بادي الصلف، ولم ينس أن يبدي ارتيابه من حديث الصديقين في هذه العبارات بالفرنسية:
- أعتقد أن العمل الجدي لا يسمح بالثرثرة.
وأخذ أجزاء من الخشب المقطوع وقايس بعضها إلى بعض، ثم تابع تطوافه في أركان المعمل، وكأنما خشي أحمد أن يقارن رب المعمل الفرنسي بعض أسرار نفسه من نظرات عينيه فتكلف اللامبالاة به.
بعد ثلاثة أيام كان أحمد والحسين في معمل حقير يشاركان في اجتماع سري مع أحد الفدائيين يمثل جمعية سرية للمقاومة، وحاول أحمد أن يجد في ملامح الفدائي، وكان قصير القامة ممتلئ الجذع حاد البصر مهيب الطلعة، حاول أحمد أن يجد فيه شيئا خارقا للعادة كما كان يتوقع، فلم يجده يختلف عنه بغير انتصاره على الخوف، وإيمانه بشيء جديد يعمل من أجله. وعجب كيف لم يقع في حبال التفتيش منذ ثلاثة أيام أن أمه تعتقد أن ذلك بفضل دعواتها، وأراد أن يختبر نفسه، وشعر أنه محموم الشعور، مشتاق للإيمان بوجوده أكثر فأكثر كهذا الفدائي للانتقام لنفسه التي كاد ينسفها الخوف، ولتحرير جميع مواطنيه من كابوس الخوف لفقدان كرامتهم، حتى أن أمه وأخوته لم يعودوا يحتلون المكان الأول من اهتمامه بين هذا الحشد الهائل الذي يظل بين أيدي البوليس الفرنسي من تفتيش إلى شتم، إلى سجن وتعذيب، إنهم كلهم إخوانه وأمهاته.
وفي مساء ذلك اليوم دخل أحمد على أمه شاحب الوجه، يجتهد في أن يخفي ارتباكه خلف أسئلة تافهة، ثم أخذ يسترجع أنفاسه شيئا فشيئا، فعتبت عليه أمه مرة أخرى تأخره في الخارج وهو لا يحمل ورقة «التعريف»، ودخل أخوه البيت كالسهم وهو يصيح:
- لقد انفجرت قنبلة أمام بائع الدخان الذي يوجد في رأس شارعنا، ولقد حاصر البوليس الحي كله للتفتيش.
- ذعرت الأم، وهبت واقفة لتحول بين ابنها وبين الخروج، وكان قد هم به متوسلة:
- أرجوك يا ابني، إنك لا تحمل ورقة تعريفك، سيتهمونك، أرجوك ..
أما ابنها أحمد فكان ينظر لأمه بهدوء ووجهه طافح بنور كنور الانتصار وهو يقول لقد استرجعتها يا أماه، لا ينبغي أن تخافي علي بعد اليوم.