تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الدراجات يسرعون وقد انكمشوا فوقها ورؤوسهم متطامنة إلى صدورهم إذ كان الرذاذ يملأ وجوههم بالماء، وكان المارة جميعا في رأيه بلداء، وكان يقول في نفسه: مساكين هؤلاء المارة أنهم مطمئنون لأنهم يحملون معهم أوراق التعريف، هذا سر خطواتهم الرتيبة). أما هو فكان يذرع رصيف الشارع بثقة جديدة لم يشك في أنها ملحوظة عند كل من يراه، وكأنه كان ينطوي على قوة نادرة ليس لأي من هؤلاء العابرين، وقد لاحظ أن أنفاسه تتصاعد دافئة كالضباب في جو الصباح البارد فتسيل مع الرذاذ، وأنه ولد من جديد، فلم ير أبهى من هذا الصباح، واتجه صوب آخر الشارع كي يمر منه إلى المعمل الذي يقع في رأس شارع «مديونة» ولم يدر لماذا اختار هذا الصباح المرور من هذا الطريق الذي لم يعتده من قبل وكأنه يلح في أن يواجه بوليس التفتيش، وكان مظهره ينم عن فقر وعزم إذ كان متلفعا بمعطف خشن من الصوف القديم بدا بعد أن ارتوى من رذاذ ذلك الصباح ثخنا داكنا لزج الثنايا والطوق، أشعث الرأس قليلا، بادي الشحوب ثاقب النظرات، ينتعل حذاء قديما، وبالجملة فقد كان مهمل الزي لا يكاد يختلف عن هؤلاء الكادحين الذين تمتلئ بهم الشوارع الأهلية كل صباح ومساء في الدار البيضاء.

وفي منعطف الشارع حيث يفضي إلى شارع «مديونة» كانت شرذمة من أولئك الجنود السودانيين المدججين بالسلاح قد وقفوا ثابتين كالجدارات في وجه كل من أفضى به سوء الحظ إليهم من كل مكان من الأحياء الأربعة المفضية إلى هناك، فعلاوة عن البنادق الرشاشة التي بدت فوهاتها من وراء مناكبهم، كانت الفؤوس جامدة ومعلقة من فوق خصورهم الممنطقة بالفشك، والمدي الحادة تلمع مسلولة في الناحية اليمنى من أوراكهم الثقيلة، وكانت نظراتهم تلتمع بلهيب الحقد أشد وطأة من السلاح نفسه، كأنهم كانوا على أهبة شن حملة إبادة على عدو خطير، وكان أحمد موقنا أنه سيسقط كالدجاجة في أيدي هؤلاء، بيد أنه لم يكترث لذلك، إنه كان يشعر أنه لم يعد فريسة ذلك الخوف الثقيل، وقد يكون مرجع ذلك أنه أصبح يحب الوجود والحياة بشكل جديد، فعبر الشارع دون أن يحفل بهم، وإن كانت أذناه مستعدتين أكثر مما سبق لتتلقيا أي صوت يصيح به، غير أنه تجاهل هذه الحقيقة، فتابع خطواته بإصرار نحو المعمل، ووجهه يوحي بالريبة والعزم، وسلم من تفتيش الجنود، ولما وصل إلى باب المعمل وجده قد ابتلع كل العمال، والدواليب توشك أن تتحرك قاطعة ناشرة الأخشاب على شتى الأحجام.

دخل أحمد فاجتاز الدهليز القصير دون أن يكترث للمكتب المفتوح الذي يقع في منتهى الدهليز والذي يدلي فيه العمال بأوراق الحضور الأسبوعية، وانتهى إلى مكانه فنزع معطفه ورمى به على رف واطئ توضع عليه مختلف أدوات النجارة الخفيفة، وتبادل مع جاره الحسين تحية الصباح في إيجاز وحرارة، وانكب من فوره ينقل الأخشاب المعدة للنشر أجزاء متساوية فقربها من طاولته، وأمعن فيها نشرا وتقطيعا.

شعر بحاجته إلى الكلام، فأخذ يحدث جاره الحسين، هذا الرجل الصلب الغامض الذي كان يبدو له قبل اليوم يصطنع الجد حيث لا ينبغي الجد، غير أن حديثه كان مع الحسين اليوم قد اصطنع فيه من الجد ما أثار انتباه صديقه نفسه، والواقع أنه حاول أن يكسب كل شيء تافه دار في حديثهما مغزى عميقا أكثر مما تحتمل تلك الأشياء ذاتها، وبغتة انعطف الحديث به هذا المنعطف الغير المتوقع فقال سائلا صديقه:

- كم احتاج من الأيام لآخذ ورقة تعريف جديدة؟

- ثلاثة أيام، وهل ضاعت ورقة تعريفك؟

- نعم، البارحة، قالها باقتضاب كأنه غير حافل بشيء.

- ألا تخشى مغبة ضياعها منك؟ إنهم يحاصرون كل مكان للتفتيش عن أمثالك الذين لا يحملون ورقة تعريف.

وجم أحمد قليلا ثم ندت منه حركة كأنه جرح في كرامته، وقال:

- لم أعد أخشى شيئا مما تخشون، سوف لا أحمل ورقة تعريف بعد اليوم.

فأرسل الحسين نظراته النافذة ليتفحص صديقه أحمد لأول مرة فحصا دقيقا يريد أن يقرأ دخيلة نفسه، وظل صامتا كأنما يستزيد كلام صديقه، فقال أحمد:

يجب أن ألتمس «هويتي الجديدة» لا هوية ورقة التعريف السخيفة التي لم تورثني إلا الخوف من هؤلاء الخنازير.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٣٠٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٣٠٠٣