دعوة الحق، س4، ع3 /دجنبر 1960 .................... ص83
آفاق فنية: الفنان المغربي والفن الحديث
للأستاذ: ب. ك
الأمر الذي لا جدال فيه أن كل قطر يهدف بعد حصوله على الاستقلال إلى بلوغ شخصيته الوطنية وتأكيدها في سائر المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية، ويكون السير نحو هذا التأكيد هو سير نحو التخلص من رواسب الاحتلال الأجنبي.
ولكن الكيفية التي يجب أن يتم بها مثل هذا السير من الخطر أن تخضع لاعتبارات عشوائية، واختيار غير مدقق أو مدروس، ومن الملاحظ أن بعض البلدان ترتكب أخطاء كثيرة في هذا السبيل، منها السعي إلى إبراز الشخصية الوطنية في مظاهر عصرية مستعجلة سببه الطموح الحاد إلى التخلص من الشعور بالنقص إزاء البلدان الراقية، ويكون هذا المسعى المنحرف على حساب إهمال المقومات الأصلية للشخصية الوطنية للبلاد.
إن اتجاها كهذا لا يمثل الوسيلة السليمة للنهوض أو التخلص من آثار التخلف ورواسب الاحتلال. وإذا اخترنا واقع نهضة فن التصوير في المغرب ووضعناه في إطار هذه النتائج، لرأيناه للأسف يسير في أغلبية إنجازاته الحالية نحو هذه الطريق الخاطئة، إن فن التصوير المغربي يرمي إلى تأكيد ملامحه العصرية ليصبح مقارنا للفنون العصرية في دول الغرب، معتقدا أن استقلال المغرب والطموح إلى جعله دولة راقية يبرر له ذلك.
والشيء المؤكد أن فن التصوير المغربي في وضعه هذا إنما يعكس مرحلة من مراحل بحثه عن مقوماته، وعلى العموم فهو الآن تائه .. ضائع .. حائر، والمشكلة الرئيسية التي تواجهه هي استغراق أكثر الرسامين المغاربة في ممارسة أساليب الفنون الحديثة الغربية للأسباب التي شرحت آنفا.
إن أخذ التطورات العصرية والاستفادة منها بالنسبة لبلد حديث الاستقلال كالمغرب، شيء ضروري بلا شك ولك بشرط أن تكون هذه التطورات حصيلة مقومات جدية ناتجة عن ينابيع حضارية إيجابية إنسانية ومن الممكن أن تغذي أية ثقافة إنسانية بغض النظر عن موطنها.
فهل الفن الحديث في الغرب .. نتج عن تطور حضاري إنساني؟؟ إنه سؤال لا بد أن يلقيه على نفسه كل رسام مغربي قبل محاولته للبحث عن الملامح العصرية لإنتاجه الفني.
ما هو الفن الحديث في الغرب؟؟ إنه فن يعتمد على الاهتمام الصرف بالشكل فقط بكل ما يتضمنه هذا الشكل من عناصر لونية وخطية وتوزيعات مثيرة، أما الموضوع .. المضمون .. الفكرة. . فيهمل ويصرف النظر عنه ويصبح عنصرا ثانويا، وقد يهتم الفن الحديث أحيانا بالمضمون من النوع الخرافي كما يفعل الفن السريالي مثلا.
والرسام الحديث يشبه في ذلك، البلهلوان، حيث يتلاعب بمهارة بعناصر الشكل ويلجأ إلى تجديدات غريبة لظواهر سطحية بعيدة عن واقع الحياة.
ما سبب هذه الظاهرة، ظاهرة تنكر الفن الحديث للمضمون الإنساني الحياتي؟ من الممكن معرفة السبب لو درسناها في إطار الواقع التاريخي الحالي لحضارة