بالأمس فقط حاصرت شرذمة من البوليس الفرنسي بعرباتها الزرقاء المصفحة شارع «السويس» من جميع منافذه، وطفقت تفتش كل المارة، كانوا عند مدخل كل زنقة فيه يوقفون الناس حتى النساء والأطفال ليفتشوهم، ويشتمون ويبصقون، وينظرون بحقد، كانوا قد أمسكوا بتلابيب أحد الشبان ثم صفعوه وخلوا سبيله بعد ذلك، وكان هو نفسه من المحاصرين الذين ينتظرون دورهم في التفتيش من طرف «الحرس المتحرك» هذا الحرس المعروف بوقاحته وصلفه عند الناس، وكان يشعر في ذات الوقت بأنه خالي الجيوب من أية حديدة أو أداة معدنية، وأنه بالإضافة إلى ذلك يملك وثيقة «التعريف» إنها وثيقة الحرية، وقد فكر أن يضعها في يده كي لا يترك للبوليس أي وقت لصدور أية حركة اعتدائية منهم عليه، بيد أنه لم يعرف السجن من قبل، أو أنه يسمع الكثير عن أعمال البوليس التعذيبية وتنكيله في المخافر بالذين يلقى عليهم القبض، هكذا حدث نفسه وهو يرى العربة البوليسية الصماء يساق إليها من حين لآخر برجل أو رجلين كالخراف الذليلة برفس ولكز من أطراف البنادق ليشحنا من خلف السيارة بمختلف أنواع الشتائم.
كان يستعيد هذه الحادثة بكل تفاصيلها فتنعكس على وجهه أطياف باهتة لليأس الذي يساور نفسه يزيدها الشحوب والإرهاق لونا داكنا، وحدث نفسه: كيف يمكن اجتياز شارع «السويس» هذا الصباح في الذهاب أو العودة عند الزوال دون أن يكون ذلك مخاطرة بنفسه، أو إلقاء بنفسه في تلك العربات الزرقاء الداكنة الرهيبة، إن المدينة غدت كلها محاصرة ومكتظة بالجيش والبوليس، هؤلاء الخنازير الذين لا يسأمون من مطالبة الناس بأوراق التعريف أولا ثم تفتيشهم ليبحثوا عن «المسدسات» و «الفدائيين» كما يعتقدون، ولم يكن ممكنا أن يظل قابعا في عقر الدار، فرب المعمل الذي يعمل فيه -وهو فرنسي- لا يرحم، فسيظن أنه عندما يتغيب أنه لبى نداء ما للإضراب دعت إليه في نظره هذه المناشير التي يوزعها «الإرهابيون» كما كان يسميهم، أنه لو توقف اليوم عن عمله سيحرمه من العمل، فضلا عن أن ورقة التعريف تحتاج إلى انتظار أسبوع كامل، أنه لا يستطيع أن ينقطع عن العمل، بل لا يستطيع أن يتغيب ولو هذا الصباح لأنه لا يقدر أن يلقي بمصير أمه وإخوته بين مخالب الجوع، وشعر بأنه واقع تحت كابوس من التفكير الأسود الثقيل، وأنه لم يعد يشعر بوجوده في غمرة هذه المخاوف التي تكتنفه من كل جانب، فشعر باحتقار نفسه، لأنه لمس لأول مرة ضعفه المهين فاندفع نحو الباب ليخرج، وكأنه قرر في نفسه أمرا من وحي رد الفعل لهذا الضعف والجبن، لقد قرر أن يخرج لأنه استنفذ طاقته في التفكير بخوف فلم يجده نفعا إلا تزايد الخوف، أنه كان يعبر الشارع وهو يشعر بانقلاب يوشك أن يحول مخاوفه وضعفه إلى شيء صلب، وأخذ يسترجع إيمانه بنفسه، وبقدرته على أن يذهب إلى المعمل هذا الصباح، وأن يعود في المساء دون وجل وحدث نفسه: «أن ورقة مهما تكن قيمتها ليست هي مصدر وجودي أو سعادتي» وعجب كيف لم يتنبه لهذه الحقيقة منذ أمس. لعله كان مغفلا، بل لعل أمه كانت على صواب حين لم تهتم كل الاهتمام لضياع هذه الورقة أكثر من اهتمامها للنقود، إن المشكلة بكل وضوح كما بدت له: انه إنسان بلا تعريف في نظر البوليس، انه بلا حقيقة في نظرهم، وسخر في أعماقه من هذه السخافة التي كان يحترق في التفكير فيها، واعتقد أن هذه الورقة التي ضاعت منه إنما كانت مصطنعة لإحصاء الناس في بلادنا ليكونوا في قبضة الجلادين متى شاءوا، واستيقظ ضميره بغتة، إنها ليست محنتي أنا وحدي بل إنها محنتنا جميعا، إننا لا نساوي جميعا إلا هذه الأوراق الخضراء أو البيضاء التي يسلمها «الخليفة» وهو واحد منهم، وبدونها نساق إلى السجن كأننا لا نملك وجودا حقيقيا بدونها، وعادت إلى ذاكرته كلمات كان قد سمعها من إذاعة صوت العرب منذ أسبوع «لقد فقد المغرب كرامته بإبعاد محمد الخامس» إنه يفهمها الآن فهما واضحا أكثر من ذي قبل، ولكن ماذا يمنع أن نبحث عن وجودي وكرامتي منذ الآن؟ لماذا ظللت منذ أمس فريسة عذاب لا مبرر له من خوف وقوعي في قبضة البوليس الذي لا يعترف بشخصي مجردا عن ورقة التعريف.
وتنفس هواء باردا جديدا في ذلك الصباح، ولأول مرة شعر بلذة الإيمان بالحياة والإيمان بالوجود يعودان إليه، فوجد فيهما كل سعادة إنسانية ممكنة، وكل قوة إنسانية ممكنة، كان صباحا باردا من اصباح شهر يناير المقررة، والرذاذ يرش المدينة كلها رشا خفيفا، ولكنه كان متداركا كثيفا فألقى على ذلك الصباح غلالة رمادية شفافة تسيل، وكان شارع «السويس» يبدو طويلا داكنا رمادي النور، والمارة يسيرون ملء خطاهم في جمود وتوتر خاليين من كل معنى، بينما كان أصحاب