دعوة الحق، س4، ع3 /دجنبر 1960 .................... ص79
ورقة التعريف
بقلم: محمد عبد المالك الكتاني
مهداة إلى الذين بحثوا عن وجودهم
من خلال النضال الإنساني
كان على غير عادته، بادي الاضطراب شارد النظرات، وعلى وجهه وجوم باهت يعبر عن ألم عميق يعانيه، وقد أدركت أمه لأول وهلة عندما عاد عشية أمس من عمله في ساعة مبكرة، فسألته عن «النفقة» و «الدواء» فقد اعتاد أن يعرج كل مساء بعد خروجه من عمله على السوق كي ينتفق منه للغد، ولما بدا لها شاحب الوجه بادي القلق اتسعت حدقتاها في ذعر ملحوظ قائلة:
- ماذا وراءك يا بني؟ أرجو أن يكون خيرا.
وطاف بخاطرها عدد من خيالات سوداء سرعان ما قطعتها نبرته الحزينة قائلا:
- لقد ضاعت محفظة نقودي هذا المساء، لقد افتقدتها قبيل مغادرتي المعمل لأضع فيها أجرة الأسبوع فلم أجدها.
- وابتدرته أمه قائلة
- كم كان فيها من النقود؟ اذ حسبت أن قلق ابنها يتناسب فعلا مع قيمة هذه النقود الضائعة، ثم ندت منها شهقة ألم حزينة، فقال:
- لا، لم تكن بها نقود كثيرة، كان بها ألف وبضع مئات من الفرنكات، وبعض أوراق من بينها ورقة تعريفي.
وساد صمت كان لا يتناسب حقا مع قيمة هذه الأشياء الضائعة، ولكن الأم سرعان ما أبدت حسرتها على النقود أكثر من أي شيء آخر فلم تنس أن تذكر ابنها بخطئه عندما لم يشتر الدواء منذ الصباح واذن، لربح على الأقل ثمنه، ولضاعت الأوراق فقط، فاغتاط لغباء أمه التي لم تدرك خطورة ضياع ورقة تعريفه وقال:
- وورقة تعريفي، نعم ورقة التعريف، ألا تسمعيني ان من لا يحملها يتعرض للسجن ثلاثة أشهر؟ ألا تعريفين أننا نتعرض للتفتيش في الطريق من طرف «البوليس» كل يوم ولا تنقذنا من يد بطشهم إلا هذه الورقة؟
شحب وجه الأم وعلاه حزن عميق، ونادى أحمد أخاه كي يخسره للسوق ليقضي حاجتهم من السكر والخبز والبترول واللحم للغد، فلم يعد من الخير أن يخرج هو هذا المساء وهو لا يحمل ورقة تعريف.
كان أحمد يركز تفكيره في ضياع ورقة تعريفه، وكيف يمكن أن يعثر على محفظته، وأخذ يفتش بخياله، ويتساءل: أين ضاعت، كم يتطلب الوقت للحصول على ورقة ثانية للتعريف، وتلاحقت في خياله الأسود صور التفتيش التي تجري عشية كل يوم أو صباح كل يوم هنا أو هناك من أحياء المدينة الاهلية وشوارعها، حيث البوليس الفرنسي يحاصر الأحياء بغتة ليملأ الناقلات العسكرية بالناس لأسباب مختلفة، وعلى رأسها عدم وجود ورقة التعريف.