نتج التصوف وإذا كان العقل أكبر من العاطفة نتج اللاهوت، فهناك ثنائية قائمة بين الحدس الديني والعقل اللاهوتي، بين الإيمان وتعقل الإيمان، بين إيمان العجوز التي ترى أن الله في السماء وإيمان المعتزلي العقلي الذي يرى أن الله في كل مكان وليس في مكان وهذه الثنائية لا تتجلى في التضاعيف التاريخية التي شملت النمو الديني الإسلامي وحسب، بل إنها تتصل كذلك بالوضع الداخلي في الإسلام على اعتباره دينا حيا حاضرا.
ولا بد لتفصيل شامل أن نعود إلى حيث نما الإسلام في أحضان مجتمع إحيائي من نوع خاص هو مجتمع الجزيرة العربية القديم بتأثير اللامرئي على المرئي وإضفاء روح وحياة على كائنات وقوى خفية ولا ريب أن الإسلام لم يصدر صدورا ضروريا عن هذا المجتمع بل كان الإسلام بالدرجة الأولى ثورة على الإحيائية العربية غير أن هذه الثورة أبقت على أشياء بدت أنها توافق روح الإسلام، فالحج القبائلي كان أوج العبادة في الوثنية فأبقى عليه الإسلام ولكنه غير معناه وغايته.
ورغم ترسب معطي الاحيائية العربية في القاع العقائدي للإسلام فقد نشأت في البيئة الإسلامية بعد فترة الغزو الإسلامي الأول مناقشات كلامية أحدثت ضربا من التوازن في التفكير الديني الإسلامي بتغليب العقل على الخرافة وترجيح الجانب العقلي على الجانب الانفعالي فكان رد الفعل نمو التجربة الحدسية في حقل التصوف الإسلامي لمعارضة التفكير اللاهوتي ولإحياء العقائد القديمة وطقوس الجاهلية «ص 71» من جديد، كما أن الإسلام وجد في آسيا الوسطى والهند وأندونسية وإفريقية إحيائية قديمة موروثة فلم يستطع القضاء عليها تماما وما تزال حتى اليوم مواقف إسلامية مختلطة اختلاطا معقدا بمواقف إحيائية مما أدى إلى تفهم الدين الجديد على ضوء الدين القديم بالضرورة.
2) وفي الفصل الثاني: محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن -يحاول المؤلف أن يربط معطيات الإحيائية العربية القديمة بالدعوة المحمدية التي تجلت في تنقية مفهوم الله في الجاهلية من الغموض وظلام الخرافات وإحلال الإله الوحيد خالق السموات والأرض ومن فيهما وما بينهما محل إله الجاهلية وإقامة بناء ضروري يتجه من الأعلى إلى الأدنى، من تصور الله على أنه الآمر الناهي إلى الإنسان المخلوق المدعو لتنفيذ الأمر والنهي بالانتقال من الشعور بالخوف والاحترام إلى الشعور بالتقوى والإجلال والوعي بالله.
تلك هي الرسالة التي حملها القرآن الكريم إلى الجيل الأول من المسلمين والأجيال اللاحقة كلها
فإلى من يوجه القرآن حديثه؟ يجيب الأستاذ جيب: أن القرآن ليس بكتاب لاهوت لأن اللاهوت تأويل الكون تأويلا فلسفيا عقليا ص 89. ولكنه كتاب يعتمد بالدرجة الأولى التخيل الديني ولا يعتمد العقل لا بالدرجة الثانية ص 90 - فكان الدين الحقيقي أن يحيا الإنسان عقائده عمليا دون أن يسأل عن ماهية تلك العقائد.
3) وبجانب القرآن الكريم يبدو الحديث الشريف ناقلا إلى الأجيال التابعة صورة محمد صلى الله عليه وسلم: الإنسان والنبي في وجوده المليء بالتجارب الحية الرائعة صورة (لم تصبح البتة صورة نمطية اصطلاحية وربما لن نشتط إذا قلنا أن تأجج هذه العاطفة الشخصية نحون الرسول الحبيب هو منذ زمن بعيد أكثر العناصر حيوية في دين الجماهير الإسلامية ص94) تشهد بذلك جملة القصائد والمدائح النبوية والأناشيد والألحان التي نظمها المتصوفة على شرف الرسول تجعل جميعها تعلق المسلمين قاطبة بشخصية محمد صلى الله عليه وسلم.
4) واضح الآن أننا انتهينا مما يطابق عصر الرسول والصحابة بتبيان أن القرآن يعرض تجربة محمد صلى الله عليه وسلم الحدسية من جهة ويعتبر من جهة أخرى الينبوع الذي يرجع إليه المسلم دائما لينعش رؤيته الروحية (فهو لا ينطوي على عرض فلسفي أو عرض منسق في مجال العقيدة ص 97) فيبدو من هنا، المجتمع الإسلامي مجتمعا أخلاقيا يعتمد أخلاق الوحي الصادرة عن إيمان غير معقد قائم على الحدس الديني، ولكن سرعان ما شرع ذلك المجتمع يتوسع بدخول مؤمنين كثيرين وحدوث مسائل اجتماعية وأخلاقية الحث على إعطاء حلول لها عاجلة، وكانت هذه المسائل قد أوحت باعتماد «الأحاديث» والإجماع والقياس والرأي والاجتهاد، فدعا كل هذا إلى أن تستمد الشريعة الإسلامية عناصرها من نتاج التأمل وتقوية ناحيتها العملية «الفقه» بتنظيم الحياة الاجتماعية على ضوء الدين دون تمييز سافر بين ما هو واجب نحو الله وواجب نحو الناس ودون فصل بين ما هو روحي وما هو زمني