تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

باعتبار أن أي دين هو استجابة لحاجات إنسانية صحيحة، ووجود الدين دليل على وجود حاجة إلى التدين، فالدين إذن له وظيفة اجتماعية تنبع من مجموع التصورات الجمعية لكل مجتمع.

بهذا الاعتبار يبدو الدين في ثوب اجتماعي نسيجه الحوادث الاجتماعية والتصورات المركبة المترسبة في الضمير الجمعي المشترك، وبتعبير آخر أن علم الاجتماع والمدرسة الاجتماعية الفرنسية بالذات تلح على أن الدين وضع اجتماعي في الدرجة الأولى -لا وضع إلهي كما تريد النزعة الاعتقادية- وضع تصنعه الضرورة الاجتماعية ولذا ينفرد المجتمع بميزة فذة هي صهر الإرادات الفردية في إرادة مركبة من مجموع الإرادات ومفارقة لها في ذات الوقت فيغدو المجتمع في آخر الأمر: ينبوع القيم كل القيم ومصدر الدين في شتى أشكاله وأنماطه.

فهل يعني هذا أن المجتمع هو خالق الدين؟

بين أن التعريف الاجتماعي يباين مباينة فاصلة التعريف الاعتقادي من جهة أولى ويعارض معطيات علم النفس ومذهب تاريخ الأديان من جهة ثانية- ففي اعتقادنا من الوجهة النفسية - أن الإنسان بما يحتاز من وعي لفكرة الله يستجيب لشعور ديني ذاتي يضفيه عمليا على مختلف أشكال الدين، فالدين في بنيته يتبدى أول ما يتبدى في حلة شعور ديني فردي موصول بإحساس الإنسان بتبعيته لقوة عليا أو بإدراكه الفطري الخاص بالسببية والصعود إلى سبب أخير أعلى أو بحدسه اللانهائي أو بزهده في العالم .. وكل هذه عوامل يرجع إليها أصل الدين.

أما ما يحيط ذلك الشعور الديني من ظروف تاريخية معينة محددة وأوضاع اجتماعية مواتية فذلك لمنح فرص أمام الدين ليستطيع أن يبرز كعامل هام في حياة الإنسان.

وبتعبير آخر أن أصل الدين هو حاجة إنسانية فردية منبجسة من عاطفة دينية ذاتية ولكن في مرحلته النهائية مرحلة التوحيد أصبح سلوكا منظما مسوقا للإنسان من الأعلى إلى الأدنى معطى من الإرادة الإلهية للقضاء على ضلال الشرك والتعدد، يساعد على ذيوع هذا السلوك وتثبيت السمات الرئيسية فيه درجة استعداد المجتمع لتقبله وتنفيذه.

وجماع القول: أن مضمون التصدير الذي بذل في إبرازه الدكتور العوا جهدا مشكورا يتفتق عن عرض للصفات المقومة للدين كوضع إلهي من جهة-وكوضع اجتماعي من جهة أخرى.

ولا بأس من الإشارة إلى أن عمل الأستاذ العوا يهدف إلى رسم القاع الثقافي الذي نبتت في تضاعيف خطوطه الكبرى دراسة الأستاذ المؤلف جيب ووضع إطارين احدهما للنزعة الاعتقادية والآخر للنزعة العلمية التاريخية في تعريف الدين، ومن الجلي أن هاتين النزعتين هما بالأصل نزعتان ثقافيتان -الأولى شرقية والثانية غربية- وقد التقتا في تفكير فلسفي عميق ومعاناة جدية لصعاب المسائل في فكر الأستاذ جيب تتلامحان في هذا الكتاب المركز أيما تركيز المكثف أعظم تكثيف كتاب: بنية الفكر الديني في الإسلام.

يقول الأستاذ جيب: (كتبت هذه الفصول لا لأجل التقرير بل لأجل التحريك غرضها البحث وأكثر اهتمامها بمواد البحث ووسائله، فموضوع البحث كما يدخل في الحياة الفكرية العاطفية في كل طبقة منتمية إلى الإسلام بشرط ألا نتناسى جميعا أنها خاضعة لسيادة المبادئ الأساسية التي وضعت في القرآن الكريم ص 57)

والبحث في مناحي الفكر الديني الإسلامي والاتجاهات الأصيلة في استمراره والمواقف الفكرية المتفاعلة في صلبه، يستدعي دراسة فينومنولوجية تتخطى تنوع المذاهب والحوادث الطارئة على الدين الإسلامي وتضعه بين قوسين -من أجل التوغل إلى صميم الدين وبنيته وتحليل المواقف الدينية الإسلامية والمنابع التي منها تستمد والمفاهيم التي تحدد تفكير المسلمين بوجه عام في موضوع الإله، وفي كيفية تصورهم العلاقات بين العالم اللامرئي والعالم المرئي.

ولهذا جاء مضمون الكتاب مشحونا بالأفكار المركزة العميقة تتوزعها أربعة فصول على صعيد التحليل والمناقشة: 1) العامل الإحيائي 2) محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم 3) الشريعة واللاهوت 4) التصوف.

1 - ففي الفصل الأول يحاول أن يدرس الإسلام من حيث أنه تجربة دينية فذة لا تماثلها تجارب دينية أخرى تتبدى أحيانا في موقف حدس الدين وأحيانا في موقف تعقل الدين فإذا كانت العاطفة أكبر من العقل

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٩٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٩٩٠