تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن تطور التفكير الديني لم يقف عند هذا الحد بل ظهر ضروريا أن ينتهي إيمان الناس البسيط الساذج إلى إيمان معقد قائم على تعقل الدين وفلسفته فجاء اللاهوت أو علم الكلام دفاعا عن العقيدة الإسلامية بأساليب منطقية وبرزت فرق دينية حاولت أن تدافع عن العقيدة الإسلامية من وجهة نظرها الخاصة غير أن الأستاذ جيب يعتقد أن: (العصر لم يكن بعد قد بلغ من النضج حدا يظهر معه اللاهوت. وثمة حقيقة راهنة هي أن نمط الفكر الحدسي يعجز عن المحاكمة اللاهوتية وكان لا بد أن يتعلم بعض المسلمين على الأقل المنطق والفلسفة قبل إنشاء لاهوت إسلامي بالمعنى الدقيق ص 106) خاصة (وأن خطر البراعة العقلية لا ينشأ عن استعمال الذكاء بل عن الغلو في استعماله ص 105) ولكن يبقى مع ذلك اللاهوت واللاهوت السني بالخصوص هو العمود الفقري للشريعة الإسلامية رغم إصابته (بضعف في بعض الأحيان لتساهله مع النزعات الصوفية أو مع نظريات وحدة الوجود ص 109).

فهل مذهب التباين والتوحيد المطلق -سواء على أساس عقلي معتدل أو مفرط - يثير صعابا فلسفية أن الأستاذ جيب يؤكد ذلك إذ أن بنية الفكر الفلسفي التي ورثها الإسلام عن اليونان تقصر في الواقع عن تفسير التوحيد ميتافيزيائيا مما يؤدي إلى الاهتمام بالشكل دون المضمون، والصيغ المنطقية دون المسائل الدينية الحقيقية، وعلى هذا فإن السعي لفلسفة العقيدة الإسلامية (لم يدفع في الوقت عينه إلى الغلو والمبالغة وحسب بل انتهى أخيرا إلى التشويه حين نسي، أو أبعد بدون تمييز، بعض العناصر التي توجد في آن واحد في القرآن وفي الإدراك الحدسي للأمة ص 115).

وبتعبير آخر أن مذهب التباين الصارم والتوحيد المطلق إذ ينمي نظرية التعالي عن الإنسان ويحذف كل اتصال بين الله والإنسان (بشد منابع التجربة الدينية) ويجفف الحدس الديني بصرامته العقلية. لا بد إذن أن يخلق رد الفعل ضروري ضد التأويل العقلي .. فجاءت الحركة الصوفية.

5) طبيعي أن ينمو التصوف الإسلامي بالتدريج ففي القرن الأول كان المجتمع العربي الإسلامي مجتمعا أخلاقيا مثاليا يقبل الأمر والنهي بإيمان بسيط دون أن يسأل السؤال الفلسفي: لماذا؟ وكيف؟ ثم بدأ اتجاه الشريعة باتساع النشاط العقلي اتساعا متزايدا وتبعه اتجاه علم الكلام والتفلسف في الدين وأخيرا جاء التصوف كرد فعل طبيعي وضروري يضاد تجميد التجربة الدينية في قالب عقلي، جاء على شكل زهد أولا وفي ثوب مذهبي فلسفي ثانيا، فالتصوف الإسلامي في صميمه نفحة عبقة من نفحات القرآن، وتطلع مباشر إلى الحقائق الدينية ولكن التصوف الإسلامي في ذاته تطور من موقف الزهد والجمع بين الشريعة والحقيقة إلى موقف التصوف الفلسفي المبني على إلغاء مقولات التوحيد وإدخال نظريات فلسفية إشراقية كنظريات حلول اللاهوت في الناسوت واتحاد الذات الإلهية ووحدة الوجود أو حضور العالم في الله وهما واحد.

وهذا أقصى مرحلة في تطرف التصوف مما أدى إلى غلو وشذوذ في الفكر الديني في الإسلام وإصابة الإسلام بضرر بالغ في جوهره (إلى انحراف التصوف عينه عن معناه الروحي الأول ودخول الخرافات في حركات التصوف الشعبي فأصبح من العسير تمييز الصوفي الحقيقي عن الصوفي المشعوذ، كما قوى التعلق بالأشخاص أكثر من التعلق بالأفكار مما ساق إلى (اتباع تعاليم فرد واحد اتباعا أعمى ص 128) وإلى تقديس الشيخ والاعتقاد بعصمته ونوال بركته بإطاعة أوامره.

ورغم كل هذا استطاع التصوف أن يجذب نداؤه الصوفي شعوبا كثيرة استهواها ما في التصوف من انجذاب نحو الله بل أن الأستاذ جيب يؤكد أن الفضل في استمرار الوجود الإسلامي عائد إلى الجماعات الصوفية ص 122 بل أن علماء السنة أنفسهم بسبب بقائهم حيث هم في عزلتهم -هكذا يعتقد المؤلف- منحوا - التصوف سانحة الانتشار في حركات جماعية

إلا أنه حدث في القرن التاسع عشر رد فعل معاكس تغذى بتيارين متضادين أحدهما يتمثل في الحركة الوهابية وأنصار القديم والآخر يمثل أهل التجديد وأنصار التجديد- محمد عبده في مصر وسيد أمير ومحمد إقبال في الهند.

وفي اعتقاد المؤلف أن التيارين اسرفا في نزع البذور الحسنة من قلب الدين الإسلامي وتجميد العاطفة الدينية بل إنهما أفسحا المجال (لخرافات جديدة هي أعظم ضررا وأمضى ابادة ص 135) خرافات

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٩٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٩٩٢