تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س4، ع3 /دجنبر 1960 .................... ص34

الربيع في الشعر العربي

للأستاذ محمد زنيبر

-2 -

كان إذن للحضارة فضل في خلق حب الطبيعة في المجتمع العربي وفي إلهام الشعراء معاني وأحاسيس صاغوها فكانت شعرا جميلا وكانت، في الواقع تعبيرا عن اكتشافات وتمليات جديدة بالنسبة لمجتمع فتي، ناهض.

ثم إن حياة الاستمتاع بالملذات والإقبال على الشهوات التي أصبحت ديدن الطبقة المترفة، دفعت بأفراد تلك الطبقة إلى التفنن في أخذ حظهم من جمال الطبيعة، كامتلاك البساتين في أرباض المدينة وتخصيص بقعة في كل قصر أو بيت لاتخاذها روضا واقتناء الطيور إما لحسن ألوانها وغرابة شكلها وإما للطافة تغريدها، يدل على هذا ما قيل من أشعار كثيرة في وصف الرياض والبساتين، وكلها تنم عن حس مرهف وإغراق في الترف والمدنية، وهذه قطعة للشاعر أحمد بن خاتمة الأندلسي تبين المدى الذي بلغ إليه هذا التفنن:

ارسل الجو ماء ورد رذاذا

وسمع الحزن والدمايث رشا

فانثنى حول أسواق الدوح حجلا

وجرى فوق بردة الروض رقشا

وسما في الغصون حلى بنان

أصبحت من سلافة الطل رعشا

فترى الزهر ترقم الأرض رقما

وترى الريح تنقش الماء نقشا

فكان المياه سيف صقيل

وكان البطاح غمد موشى

أثر التقاليد الفارسية في تكييف الشعور بالربيع عند العرب

يضاف إلى كل هذا عامل آخر مهم كان له الأثر الحاسم على اتجاه أدبنا العربي منذ أن أصبح أدب مجتمع متحضر وأمة دخلت إلى التاريخ من أبوابه الواسعة، هذا العامل هو تأثير الحضارة والثقافة الفارسيتين في تطور ذلك الأدب، سواء من حيث المادة أو الشكل أو من حيث الموضوع والتعبير، وليس هنا محل تفصيل ذلك، وفي كتب التاريخ وتاريخ الآداب العربية، بصورة خاصة، ما يكفي من التفاصيل والإيضحات عن هذه الحقيقة، وإنما نجتزئ هنا بالإشارة إلى كون الفرس، سواء من قبل الإسلام أو من بعد الإسلام، كان لهم ولوع خاص بفصل الربيع، فهم يحبونه ويحتفلون بمقدمه، ولهم في ذلك تقاليد هي أشبه ما تكون بالطقوس الدينية.

والواقع أن هذه التقاليد تردع إلى معتقدات وثنية عتيقة. فقد كانوا يعبدون في جاهليتهم الأولى آلهة إسمها «آناهيتا» وهي في عرفهم إلهة النماء والخصوبة والتوالد والأنوثة، ومثل هذه العقائد تنمو، ولا شك، عن إحساس قوي غريزي بجمال الطبيعة وجلالها، فلا عجب إذا رأيناهم يعشقون البراري المخضرة والخمائل المزركشة، وقد حكى مؤلف «قصة الحضارة الفارسية» أنهم (كانوا يمتلكون المنازل الجميلة والحدائق الغناء التي تكبر وتتسع أحيانا حتى تصبح حظيرة للصيد والقنص أو مأوى لمختلف الحيوانات كحدائق الحيوان في العصر الحاضر).

وقد تركت هذه التقاليد أثرها في المجتمع العربي الإسلامي، فكونت جانبا مهما من جوانب تفكيره وفلسفته، كما سرى مفعولها بصورة قوية واضحة، إلى الهندسة المعمارية «العربية» وهي في طور نشوئها

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٩٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٩٥٦