تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س4، ع3 /دجنبر 1960 .................... ص24

مناط التفاضل والمساواة بين الأفراد في شريعة الإسلام

للأستاذ أبي عبد الله

ينحو العصر الحديث نحو المساواة ومحو الفوارق في الاعتبار من اللون والجنس والعنصرية بين بين الإنسان، وإن الباحث في شريعة القرآن يجدها أقرت التفاضل بين البشر في جوهر الفضل، ومحت الفوارق في باب الفروق والعدل، إقرارا بالحق وحفظا للأمن ومصالح المجتمع في الوجود، فقالت الآية: (إن أكرمكم عند الله أثقاكم) وقال الرسول عليه السلام لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأبيض على أسود إلى بالتقوى، فالتقوى يزيد الفضل ويكثر الفرق بين الأفراد وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم الأخيار من الأشرار بين جماعة المسلمين فقال: (خيركم من يرجى خيره ويؤمن شره وشركم من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره) والتفاضل في الكمالات الإنساني والروحانية بتطهير النفس والأعمال الصالحة لا يمكن نكرانه من أي منصف.

أما في باب الحقوق والواجبات فقد سبق الإسلام إلى جوهر المساواة بين جميع المؤمنين في أول ما يشهدون بعقيدة التوحيد ورسالة محمد عليه السلام فكان شعار الدعوة إلى الإسلام من أجاب الدعوة له ما لنا وعليه ما علينا، جاء في رسالة عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص حين افتتح العراق قوله: وقد كنت أمرتك أن تدعو من لقيت إلى الإسلام قبل القتال فمن أجاب إلى ذلك قبل القتال فهو رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، وله سهم في الإسلام أي وقت قسمة الغنائم بين المجاهدين، رواه أبو يوسف في كتاب الخراج.

فهذا المبدأ الذي هو شعار دعوة الإسلام قد محا العنصرية والشعوبية ومحا الجنسية التي صارت الآن ذات قوانين واقتلع جذورها من المجتمع الإسلامي فلا تبعية لقطر من الأقطار ولدولة من الدول والأوطان الإسلامية عامة لجميع المسلمين دون اعتبار لون ولا جنس فالمسلمين إخوة وقانونهم واحد هو الشرع الإسلامي وربهم واحد وأمتهم واحدة، على هذا الأساس السليم عاشت الخلافة الإسلامية في خير القرون فلم تكن لدى الحكومة الإسلامية شروط في الجنسية ولا أعرف لتبعية أفراد معينين غير اتحاد العقيدة والدين.

ومما ينبغي الإشارة إليه في هذا الموضوع بعض الحقوق المدنية والجنائية التي يحصل فيها اشتباه في باب المساواة، من ذلك قضية القصاص في القتلى هذه القضية أقر فيها أئمة المالكية عدم المساواة بين الحر المسلم وبين الكافر بينما أقر فيها المساواة أئمة الحنفية والكل يستدل بالآية (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى) فالحنفية يقولون بالقصاص في عموم القتلى، ويرون ذكر الأمثلة بعض نص العموم لا يخصص العموم وقد وقعت مناظرة عجيبة بين الزورني من عظماء الحنفية وبين عطاء المقدسي إمام الشافعية بمحضر الحافظ ابن العربي الذي نقل خلاصة من تلك المناظرة عند تفسير آية القصاص فالحنفية يقولون إن المسلم والكافر متساويان في الحرمة التي تكفي في القصاص هو حرمة الدم الثابتة على التأييد فإن الذمي محقون الدم على التأبيد والمسلم كذلك وكلاهما قد صارا من أهل دار الإسلام والذي يحقق ذلك أن المسلم يقطع بسرقة مال الذمي وهذا يدل على أن مال الذمي قد ساوى مال المسلم فدل على مساواته لدمه إذ المال إنما يحرم بحرمة مالكه وكذلك يرى الحنفية أن الحر يقتل بالعبد لعموم صدر آية القصاص كما يقتل الذكر بالأنثى.

ونحن عندما نذكر صلاحية شريعة الإسلام لكل زمان ومكان لا ننظر إليها من خلال مذهب معين بل ننظر إلى أصولها وجها لوجه من غير تقييد بمذهب خاص، وعلى هذا فمبدأ

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٩٤٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٩٤٦