تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تأويلا فاسدا لمهاجمة القيم الإسلامية مهاجمة غير مباشرة حيث لم ينفع الهجوم المباشر، وكمحاولة للانتقاض من رسول الله صلى الله عليه وسلم بقلب الحقائق وتجاهل الوقائع وما لديها من ارتباط، وبالانتقاض من أصحابه الأجلة توسلا للنيل منه، فهذا أحد زعماء القرامطة والباطنية يوصي أصحابه بقوله: لا تشتموا محمدا بل ابكوا عليا وتأسفوا عليه وادعوا أنه كان أحق بالخلافة من الشيخين واشموهما فإنكما ان شتمتموهما شتمتم صاحبهما، وهذه خطة الاستعمار اليوم في محاربة الإسلام حيث عجز عن تحطيمه مباشرة، فالاستعمار لا يقول لشباب المسلمين لا تصلوا ولكن يبتدع أفكارا ومفاهيم خاصة تتعاون لتضعف الإيمان بالصلاة، فيترك الشاب المسلم الصلاة اعتمادا على أفكار اعتنقها وآمن بها وتوهم أنها من وعيه وابتكاره فالفكرة المتداولة «بأن الصلاة رياضة أبدان» لا يراد منها تبرير الصلاة علميا والرفع من شأنها وإنما يراد تعليلها تعليلا عاديا وسخيفا، حتى إذا ما استقر هذا التعليل في النفوس، تلاشى عنها المعنى الديني المراد، وكان من الهين أن يستغني الإنسان عن هذه الرياضة ما دام يتابع رياضة بدنية منظمة. ولا عجب أن تكون هذه الفكرة وأمثالها قد ملأت العالم الإسلامي ولقنت حتى للأطفال الصغار، ومن تلك الأفكار «الدين لله والوطن للجميع» ابتكرها الاستعمار في الشرق لحمل المسلمين على التخلي عن دينهم من أجل التآخي في القومية في حين يظل المسيحيون على عقائدهم دون تغيير، فالقومية (1) إذن فوق الأديان، فهي التي تحدد لنا شروط الأخوة دون الدين.

فالفكرة إذن موجهة ضد الإسلام: لقطع العلاقة بين العرب وبين فكرة الخلافة وبينهم وبين الشعوب الإسلامية من جهة أخرى حتى أننا سمعنا مرارا وتكرارا أنه لا معنى للتآخي مع الأندونيسي البعيد، وإهمال الأخ العربي المسيحي المواطن، فالأخوة يجب أن تكون في دائرة القومية لا في دائرة الدين، وهكذا أصبحت كتلة من الشبان لا يؤمنون بأخوتنا نحن العرب مع إخواننا المسلمين غير العرب، ويلاحظ على هذه الفكرة التي صنعها الاستعمار وطبخها وجهزها وقدمها سما زعافا لبعض السذج -يلاحظ عليها كثير من السذاجة والغفلة وضعف التفكير لأنها تجعل أخوتنا للمسلمين غير العرب شرطا لعداوتنا لأخواننا المسيحيين العرب، والعكس بالعكس، مع أن تعاليم الإسلام ترفع هذا التناقض، فالأخوة الإسلامية لا تعني عداوة أحد، أما موقف الإسلام من المواطنين غير العرب فيتسم بالعدالة والرحمة والعطف مما لا يوجد لدى الأمم الأخرى والتاريخ شاهد ما نقول، والغربيون أنفسهم يعترفون بذلك.

فهذه الأفكار وأمثالها كثيرة تسربت إلى فكر المسلمين وعاداتهم وأخلاقهم وكما توجد بعض السموم التي بثها أعداء الإسلام وبعض المخطئين من ذوي النيات الحسنة في ثقافتنا الإسلامية القديمة فكذلك توجد في ثقافتنا الحديثة من تلك السموم التي يراد بها عرقلة نهضتنا وتضليل خطواتها، ولها دور كبير في انحرافنا عن الجادة الإسلامية وما زالت تلك المفاهيم الخبيثة تتوارد على العالم الإسلامي في أثواب علمية وعادات مدنية الأمر الذي يشوه العقيدة الإسلامية ويشل فاعليتها في النفوس (2)، ولم تذهب مؤامرة الاستعمار الثقافية سدى بل استطاعت أن توجد في البلاد الإسلامية عصابات تشهر السلاح على الإسلام وتهاجمه في كل مناسبة وتعمل على إقصائه واستئصاله من الحياة الإسلامية الحديثة عن طريق استبدال الشريعة الإسلامية بقوانين الكفار وتحطيم الثقافة الإسلامية وإهالة تراب النسيان على تراثنا الثقافي وأحلال الثقافات الأجنبية محله، غير أن الميدان لم يبق فارغا لهؤلاء طيلة التاريخ الإسلامي بل هناك رجال مؤمنون حاولوا إنقاذ العالم الإسلامي مما يتخبط فيه ومقاومة الدجالين والمهرجين والإمام الشيخ محمد عبده أحد أعلام أولئك الأبطال في عصرنا الحديث الذين أثروا في فكرة الإصلاح بل تزعموا تلك الفكرة، موعدنا العدد المقبل بحول الله لنعيش لحظات مع الفكرة الإصلاحية عند محمد عبده رحمه الله.

(1) أن القومية من الناحية السياسية الزمنية نحبذها ونظائرها ونعمل من أجلها أما أن تكون هي الأساس في نهضتنا فإني على يقين من أنه لا ينهض بهذه الأمة إلا العقيدة الإسلامي

(2) أن تصفية التراث الإسلامي من الدخيل والسموم المبثوثة فيه لهو أجل عمل يجب أن يقوم به علماؤنا كما فعل أسلافهم الكرام.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٩٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٩٤٥