أفظع مظاهر الاستعمار
في القارة الإفريقية: الميز العنصري
إن القارة الإفريقية هي الجزء الوحيد في العالم الذي ما زال مسرحا للميز العنصري كمذهب ونظام، ذلك الميز الذي هو أفظع مظاهر الاستعمار وأمقت بقية من بقاياه. وإذا كان الاستغلال البشري في حد ذاته جريمة لا تغتفر، فإن أشنع من تلك الجريمة وأقبح، إن ينكر على الإنسان إنسانيته، ويعامل معاملة مزرية من أجل لونه أو عقيدته أو لغته. وستبقى البشرية في الحضيض الأسفل من التأخر والانحطاط، ما دامت فيها طائفة تحمل رؤوسا تؤمن بالعنصرية وتتعصب لها.
وإننا لنهيب بالشعوب الإفريقية أن تتزعم حركة المساواة بين البشر، وتجعل من نفسها قدوة للغير، في الدعوة إلى احترام كرامة الإنسان، والدفاع عن حقوقه، وتقدير قيمة المنبعثة من صميم تكوينه، والتي لا أثر للغات والألوان فيها.
على الأقطار الإفريقية أن تعبئ
طاقاتها لدرء الخطر عنها
كما نهيب بها أن تعبئ قواها بغية جعل حد لاستعمار إفريقيا حقلا للتجارب الذرية، وتعريض سلامة سكانها لأخطار محققة بسبب ذلك. ومنذ أيام أقدمت الحكومة الفرنسية على إجراء تجربتها الذرية الثالثة بجزء من تراب مملكتنا واقع بقلب إفريقيا، عابثة بتوصيات الأمم المتحدة، مستفزة الشعوب الأفريقية، متحدية الإنسانية والضمير العالمي، ولكن ذلك الاستفزاز وهذا التحدي لن يزيدانا إلى عزما على مواصلة النضال ضد الاستعمار، والسعي لاستخلاص فلسطين العربية من براثن الصهيونية المعتدية، وتحرير الكونغو والجزائر وكل شبر في العالم ما يزال تحت سيطرة الاستعمار، إذ ليست هناك قوة تستطيع أن تفل من حد عزائمنا، أو تواجه قوانا المعنوية وطاقاتنا التحررية، أو تسد أفواهنا عن التنديد بهذه التجارب العدوانية والفتاكة.
أصحاب الفخامة
أصحاب المعالي
حضرا السادة
أتى على القارة الإفريقية حين من الدهر عاشت فيه مستعمرة مقسمة مستغلة مهينة مهضومة الحق مهيضة الجناح، ولم يكن هناك ما تستأهل عليه عيشة الشقاء والحرمان إلا لون بشرتها في نظر الاستعماريين، ووفرة خيراتها التي استحلوا في سبيل استغلالها ما حرمته الشرائع السماوية والقوانين الأرضية من عنف واضطهاد. ولقد كان من الظواهر الكبرى التي امتاز بها النصف الثاني من القرن العشرين يقظة إفريقيا ونمو وعيها وبروز شخصيتها، وتصميم عزمها على كسر الأغلال التي تصفدها والمساهمة في خدمة السلم والحضارة، واحتلال المكان الجدير بماضيها وموقعها وطاقاتها الإنسانية وثرواتها الطبيعية فوق الصعيد الدولي. ولقد قطعت إفريقيا أشواكا كبيرة في طريق التحرر والانعتاق، وسجلت الشهور المتوالية والسنون المتعاقبة لها نصرا بعد نصر، حتى عدت سنة 1960 بحق سنة انبعاث إفريقيا. ولكن هذا الانبعاث هال الاستعمار العتيق، وجعله يتشكل في شكل جديد، ويتخذ أساليب جديدة، ويمهد لمستعمراته سبيلا مضللة يكمن في ثناياها الخطر، ولا تفضي بسالكيها إلا إلى حرية بتراء. ولهذا يجب على الشعوب الإفريقية أن تضاعف انتباهها وحذرها، وتعد العدد، وتهيئ الأسباب الكفيلة بكشف الاستعمار الجديد واستئصال أخطاره.
ميثاق إفريقيا الجديدة
أصحاب الفخامة
أصحاب المعالي
حضرات السادة
إن هذه اللحظة التي نجتمع فيها الآن لحظة تاريخية حاسمة في حياة إفريقيا. فبعد ما عاشت شعوبها سنين طويلة مستعمرة مقسمة محالا بينها وبين الاتصال الحر المباشر، ها هي ذي طائفة من دولها المستقلة بشرقها وغربها ووسطها، تجتمع لتضع ميثاق إفريقيا الجديدة، وتعبد سبل التحرر والسعادة لأجيالها الحاضرة والمقبلة.
وإن هذا المؤتمر لاحسن ما يسنح من الفرص لوضع ذلك الميثاق، وتقرير العمل الإيجابي الذي يجب القيام به لتحقيق الأهداف التالية التي نتطلع جميعا إليها:
1) القضاء على النظام الاستعماري وذلك بتحرير الأجزاء التي ما تزال مستعمرة بإفريقيا تحريرا حقيقيا