فشعراؤنا في هذا المضمار ساروا في الاتجاه المعاكس الرومانتيكيين في أروبا حيث كان هؤلاء يؤثرون التحدث عن الجانب الموحش والمتجهم في الطبيعة وقد استوحى منه كتاب أمثال «شاتوبريان» و «لامارتين» و «وبايرون» و «فيكتور هوجو» صفحات تعد من أروع ما كتب في الأدب الأروبي.
ولهذا فقد كان الربيع وهو الفصل الذي يغلب فيه جانب الأنس في الطبيعة على جانب الوحشة، موضوعا مؤاتيا لميول شعرائنا أو بالأحرى موضوعا متجانسا مع الذوق العام للمجتمع العربي في ذلك العهد ولما كان ينشده من أنواع المتعة في الحياة، فقد نظموا فيه شعرا كثيرا، فوصفوه ومدحوه واستقصوا في البحث عن جوانب جماله وتفننوا في تصوير كل ما يتم عنه أو يرمز إليه في زهر وريحان وطير ونسيم.
إلا أن الإقبال على الربيع وتذوقه واتخاذه موضوعا من مواضيع الشعر لم يظهر طفرة في الأدب العربي ولم يرافق هذا الأدب منذ نشأته الأولى، وإنما نما وترعرع في ظروف طبيعية، تبعا لتطور الحضارة العربية وتعدد مراكزها وتنوع مشاربها.
فنحن إذا انصرفنا إلى الشعر العربي الأول من جاهلي ومخضرم لا نجد شيئا ذا بال نظم خاصة في الربيع، وإنما هي صور عن الطبيعة تجيء في عرض القصيدة أو في مستهلها عند ذكر منازل الأحباب، كما جرت بذلك عادة الشعراء العرب، أو عند التعرض لوصف سفر من الأسفار، وتلك ظاهرة تعللها في نظري الأسباب التالية:
أولا: من المسلم به عند نقاد الأدب العربي ومؤرخيه أن الشعراء لا مندوحة لهم عن التأثر بالمناخ الذي يعيشون فيه وبالطبيعة التي تحيط بهم بحيث يظهر لذلك انعكاس واضح في شعرهم، وبما أن شعراء الجاهلية والصدر الأول من الإسلام لم يعرفوا في الغالب إلا المناظر الصحراوية الخالية من سمات الربيع، فإنه من المنطقي أن يكونوا أمسكوا عن وصف شيء لم يروه ويحسوا به، ويزيدنا اقتناعا بهذا الرأي علمنا بأنهم كانوا وصافين إلى حدود المبالغة حتى قيل أن أبرز ظاهرة تلمح في الشعر الجاهلي هي الإغراق في الوصف والتصوير، أجل، لقد وصفوا الناقة ووصفوا الفرس ووصفوا الفرس ووصفوا الرمح والسيف لأن كل هذه أشياء كانوا يعرفونها، ولكنهم لم يعتنوا بوصف الربيع لأن الربيع ما كان يثير شيئا في مخيلتهم.
ثانيا: يظهر أن تذوق الطبيعة له ارتباط بمستوى الحضارة، فالبدوي الذي يعيش دائما وسط الهواء الطلق وبين أحضان الطبيعة والذي يكابد ما يكابد من متاعب الحياة ومشاكلها لا يستهويه ما يألفه من مشاهد وما يراه كل يوم من مناظر، فليس لديه ذلك التهيؤ النفسي والاستعداد الفكري اللذان يلهمانه إلى جمال الطبيعة ويحببانه إليه، في حين نجد الحضري يشتاق من حين لآخر إلى النزهة في البساتين وفي الحقول، وإذا ما وقف أمام بطحاء مخضرة تتمايل فيها الأشجار على هبوب النسيم تراه يتحرك ويتململ من شدة الطرب، وكل هذا معناه أن التأثر بمنظر الطبيعة ليس من المشاعر البدائية، بل إنه عنوان عن مستوى فكري وروحي رفيع.
ثالثا: هنالك ظروف مادية ما كانت لتساعد الأعراب على الإحساس بجمال الربيع، فالفقر والبؤس حجاب بينهم وبينه، وهم قبل أن يفكروا في أخذ حظهم من الكماليات يجدون أنفسهم دائما في مصاعب مع ضروريات الحياة، بحيث يمكن القول أن الاستمتاع ببهجة الربيع نعمة مقصورة على طبقة محظوظة من الناس المترفين الذين يملكون الحدائق والبساتين والرياض والذين يساعدهم الفراغ على أخذ حظهم من جمال الفصول كلها شأنهم في ذلك شأن السواح الموسوين في عصرنا هذا الذين يقطعون آلاف الأميال ليقضوا سهرة عيد الميلاد في بلد آخر.
ومع ذلك، فمن الواجب علينا أن نعترف لشعرائنا الأقدمين بأنهم كانوا صادقين فيما صوروه من مناظر طبيعية فلم يحاولوا أن يزخرفوا ولا أن يتصنعوا ولا أن يغرقوا في الخيال، وهم من هذه الناحية أقرب إلى روح الشعر العصري الذي تأثر بالواقعية إلى حد كبير.
فهذا امرؤ القيس يصف تهاطل الأمطار وتدفق السيول، تجد نفسك أمام شاعر لا يهمه إلا أن يصور لك روعة المنظر ورهبته، تحس بذلك سواء فيما يسرده من أحداث أو فيما يأتي به من تشبيهات أو فيما يستعمله من لفظ ليعبر عما يشعر به، وله في هذه القطعة المشهورة من معلقته ترتيب عجيب يكاد يشبه ترتيب المسرحية من نوع المأساة حيث نشاهد منذ البداية الأهواء (!) تطغى رويدا رويدا. فتصطدم إرادات الأبطال وعزائمهم حتى إذا بلغ العراك ذروته ووصل توتر النفوس إلى منتهاه، اتجهت المأساة نحو حلها المحتوم، هذا الترتيب المسرحي أدركه امرؤ القيس بغريزته البدوية، فصور لنا منظرا من مناظر الطبيعة القوية، فترى البرق يلمع ثم تهطل الأمطار وتتدفق السيول وتطغى قوى الطبيعة ويصبح مرآها رهيبا