تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حيث ترى جداول المياه المتسارعة تخرب كل ما صادفت في طريقها:

فأضحى يسح الماء حول كتيفه

يكب على الأذقان دوح الكنهبل

ومر على القنان من نفياته

فانزل منه العصم من كل منزل

وتيماء لم يترك بها جذع نخلة

ولا اجما إلا مشيدا بجندل

كان ثبيرا في عرانين وبله

كبير أناس في بجاد مزمل

كأن ذرى رأس المجيمر غدوه

من السيل والغثاء فلكة معزل

وبعد هذه المشاهد القوية الرائعة المرعبة، يصور لنا الطبيعة وقد عادت إلى حياتها العادية وإلى هدوئها ووداعتها، فيصف لنا الطيور وقد أصبحت فرحة نشوى والسباع وقد غرق أكثر أجسادها في المياه فيقول:

كأن مكاكي الجواء غدية

صبحن سلافا من رحيق مفلفل

كأن السباع فيه غرقى عشية

بأرجائه القصوى أنابيش عنصل

ومما يدل على واقعيتهم أنك قلما تجد وصفا مسهبا للنبات في قصائدهم، لأن مناظر بلادهم كما قلنا آنفا خالية في الغالب من النبات. فهذا زهير ابن أبي سلمى حين يقف على منازل الأحباب ويصف آثارها يذكر كل شيء ما عدا النبات. فهو يشير إلى آثار الديار ويصور البقر الوحشي والرئام وأولادها وهي تجوس خلال تلك الآثار، ثم يتكلم عن الأثافي التي كانوا ينصبون عليها القدور عن النؤي وهو الحاجز الذي يبنى حول البيت ليقيه من السيول، ولكنك لا تجد أثرا لنخلة أو سدرة أو تينة أو غيرها من الأشجار، فالمنظر لا يشمل إلا الحيوان والجماد:

أمن أم أو في دمنة لم تكلم

بحومانة الدراج فالمتثلم

ديار لها بالرقمين كأنها

مراجع وشم في نواشر معصم

بها العين والارام يمشين خلفة

وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم

وقفت بها من بعد عشرين حجة

فلأيا عرفت الديار بعد توهم

أثافي سفعا في معرس مرجل

ونِؤيا كجذع الحوض لم يتثلم

وهذه المناظر الجافة الموحشة كانت في الواقع من الأسباب التي جعلت العربي يشيد بالشجاعة ويعتز بها ويرى أن الطبيعة إن كانت بخلت عليه بالأرض الخصبة وبالعيش الرغيد فقد وهبته الصبر والثبات والقوة وكلها مزايا روحية تضفي على الإنسان رداء الكرامة والهيبة، ولهذا، فإننا نرى شعراء الجاهلية يفتخرون بكونهم يعيشون وسط هذه الطبيعة المخيفة، فامرؤ القيس يقدم لنا نموذجا من ذلك حيث يقول:

وواد كجوف العير قفر قطعته

به الذئب يعوي كالخليع المعيل

وكذلك يصف لنا تأبط شرا صعوده إلى جبل وسط النهار تحت هاجرة الشمس المحرقة:

وقلة كسنان الرمح بارزة

ضحيانة في شهور الصيف محراق

بادرت قنتها صبحى وما كسلوا

حتى نميت إليها بعد إشراق

لا شيء في ريدها إلا نعامتها

منها هزيم ومنها قائم باق

هذه نظرة خاطفة على الشعر العربي الذي نظم في جزيرة العرب وهي تبين لنا أن الربيع لم يحظ بالتفات الشعراء في ذلك العهد.

والواقع أن شعر الربيع والطبيعة، بصفة أعم، لم يصبح بابا مهما من أبواب القريض إلا يوم أصبح للحضارة العربية الإسلامية تمكن واستقرار وأمكن للشاعر العربي أن ينسلخ عن بداوته وينسى جو الصحراء ومناظرها ليندمج بجسمه وروحه وعقله في حياة العواصم الزاهرة المتلونة، تلك العواصم التي لم تستمد عظمتها وثراءها إلا من المناطق الزراعية الخصبة التي كانت تحيط بها، مثل منطقة ما بين النهرين دجلة والفرات في العراق ومنطقة وادي النيل في مصر ومناطق أخرى بإسبانيا وفارس والشام والمغرب.

هذا الشعر الجديد الذي أوحته تلك المدنية الجديدة، هو الذي سنلقي عليه نظرة في مقالاتنا المقبلة.

يتبع

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٨٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٨٦٤