تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.4، ع2 /نونبر 1960 .................... ص62

الربيع في الشعر العربي

للأستاذ: محمد زنيبر

من أحسن ما يستوقف القارئ في الشعر العربي بعض القصائد والمقطوعات التي تتغنى بالطبيعة وجمالها وجلالها، فتنقل النفوس إلى عالم كله طراوة وبهجة وانسجام وألوان زاهية وأصوات غردة منعشة، فالشعور بالطبيعة كان من الينابيع الغزيرة التي وقف عليها شعراؤنا فرووا ظمأهم واستقوا بعض ما قالوا من أجود القريض وأحبه إلى النفوس، ونحن بدون أن نتناول الموضوع من وجهة تاريخية، يجب علينا أن نلاحظ بادئ ذي بدء أن الشاعر العربي، بالرغم من الظواهر، قد تطور في تذوقه للطبيعة وتصويره لها، تبعا لتغير ذوقه بالاحتكاك والاقتباس، وبانتقاله من مكان إلى غيره، فبعد أن كان شاعرنا وهو في جزيرته العربية لا يعرف غير مناظر الصحراء القاحلة الجرداء، نراه، وقد مكنته دولة الإسلام الفتية الناهضة بفضل فتوحها وتوسعها من الاستيطان بكل الأقاليم والقارات المعروفة في ذلك العهد، أصبح واقفا على كل أسرار الطبيعة، عارفا بمناظرها المختلفة، من فيافي مقفرة إلى غابات وآجام ومن بطاح مخضرة شاسعة إلى جبال مكسوة بأردية الثلج البيضاء، ومن بلدان شمسها مشرقة وسماؤها صاحية إلى أخرى ترى الغيوم متراكمة فيها طول السنة.

إلا أن الفلسفة الابيقورية التي كان يعيش عليها المجتمع العربي في مختلف العواصم، أو بالأخص الطبقة المترفة فيه، جعلت الشعراء، وهم الصوت الطبيعي لذلك المجتمع، يغلبون جانب الجمال والمتعة في شعورهم بالطبيعة على الجوانب الأخرى، بحيث تجدهم -وذلك باستثناء شعراء الجاهلية- قلما تغريهم المناظر المهولة والقوية، مثل انفجار البراكين وتلاطم الأمواج في عرض البحار وتدفق السيول في الآكام والبراري وغير ذلك من مشاهد العظمة في هذا الكون الذي نحيا فيه، بل إنهم يعربون عن كراهيتهم لمثل تلك المناظر، وإذا أوردوا ذكرها، فإنما بقصد الهجو، فهذا أبو تمام لم يرقه الشتاء بخراسان ولا مرأى الثلوج بجبالها يقول:

لم يبق للصيف لا رسم ولا طلل

ولا قشيب فيشتكي ولا سمل

عدل من الدمع أن يبكي المصيف كما

يبكي الشباب ويبكي اللهو والغزل

يمني الزمان طوت معروفها وغدت

يراد وهي لنا من بعده بدل

ما للشتاء وما للصيف من مثل

يرضى به السمع إلى الجود والبخل

أما ترى الأرض غضبى والحصا قلق

والجو بالحرجف (1) النكباء يقتتل

من يزعم الصيف لم تذهب بشاشته

فغير ذاك أمسى يزعم الجبل

غدا له مغفر (2) في رأسه يقق (3)

لا تهتك البيض فوديه ولا الأسان

إذا خراسان عن صنبرها (4) كشرت

كانت قتادا لنا أنيابها العصل (5)

(1) الحرجف: الريح الباردة القوية

(2) المغفر: مثل الخودة التي يلبسها المحارب

(3) يقق: أبيض شديد البياض

(4) الصنبر: شدة البر

(5) العصل ج أعصل: معوج.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٨٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٨٦٢