لتحقيق نسبتها وفي ظواهر الصحة والانتحال وتفسيرها منقبا عن العوامل ومدللا على الأسباب في روح علمية ونهج قويم. والدارس لطبقات ابن سلام يلاحظ أنه أسس نقده على عناصر أربع: عنصر ذاتي في نظرته إلى الكثرة والجودة، وعنصر تاريخي في تحقيقه في صحة الشعر ونسبته. ثم عنصر موضوعي في تقسيمه الشعراء إلى بدو وحضر. ولعل هذه أول مرة يلاحظ فيها الناقد العربي أثر البيئة في أسلوب الشاعر كما في تعليله لسهولة شعر عدي بن زيد بان كان يسكن الحيرة ومراكز الريف.
وبالرغم من أن ابن سلام عاش في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث فإنه لم يعرض بالنقد والتحليل لشعر معاصريه أمثال أبي نواس وبشار وأبي تمام ولعله لم يتصد لهم خشية أن يصاب يهجوهم المقذع ولعله كذلك لم يكن يعتد بشعر المحدثين جريا على ذوق اللغويين المحافظين. وابن سلام وإن لم يبعد كثيرا عن حدود المنهج الفني، ولم يعتمد على منهج مستقيم فقد أصاب في التبويب وتحقيق النصوص واستطاع أن يعطي صورة للنقد العربي وتطوره منذ الجاهلية حتى أوائل القرن الثالث ضمت أذواقا مختلفة وأفكارا مبعثرة لم شتاتها ووطد أصولها. ولعل هذا كفيل بأن يجعل كتابه من أهم ما كتب في النقد الأدبي عند العرب أفاد النقاد بعده كثيرا مما جاء فيه.
ــــــــــــــــ
سياسة علي كرم الله وجهه في قبض الخراج
روى أبو يوسف عن رجل من ثقيف قال استعملني علي بن أبي طالب رضي الله عنه على عكبراء فقال لي وأهل الأرض معي يسمعون: انظر أن تستوفي ما عليهم من الخراج وإياك أن ترخص لهم في شيء وإياك أن يروا منك ضعفا، ثم قال رح إلى عند الظهر، فرحت إليه عند الظهر، فقال لي: إنما أوصيتك بالذي أوصيتك به قدام أهل عملك لأنهم قوم خدع، انظر إذا قدمت عليهم فلا تبيعين لهم كسوة شتاء ولا صيف ولا رزقا يأكلونه ولا دابة يعملون عليها، ولا تضربن أحدا منهم سوطا واحدا في درهم ولا تقمه على رجله في طلب درهم، ولا تبع لأحد منهم عرضا في شيء من الخراج، فأنا إنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو، فإن أنت خالفت ما أمرتك به يأخذك الله به دوني وإن بلغني عنك خلاف ذلك عزلتك، قال. قلت إذن ارجع إليك كما خرجت من عندك، قال وإن رجعت كما خرجت، قال فانطلقت فعملت بالذي أمرني به فرجعت ولم انتقص من الخراج شيئا.