تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذن فالنقد في هذا العصر لم يبعد كثيرا عن النقد الجاهلي والإسلامي فهو لازال يعتمد على الفطرة والذوق والشعور، ولازالت أحكامه بسيطة غير معقدة ولا معللة تتأثر في أغلبها بهوى الخليفة أو الولي وإن كانت في أغلبها صادقة مؤيدة. وحتى الموازنة التي رأيناها تنتشر في مربد العراق لم تكن تعتمد على دراسة أو بحث وإنما كانت تتأثر بفكرة المنافسة بين القبائل.

ثم وضع العلماء النحو في آخر العصر الأموي وضبطوا قواعده فظهر لون جديد من النقد كانوا يلاحظون فيه على الشاعر أخطاءه النحوية وعدم مسايرته لمنحى الأعراب. فقد نقدوا النابغة في بيته:

فبت كأني ساورتني ضئيلة من الرقش في أنيابها السم ناقع

وقالوا إن الصواب أن يقول ناقعا بالنصب على الحال. وهو لون قد أخذ يظهر فيه عنصر الموضوعية وإن كانت موضوعية جزئية. فالناقد لا ينظر إلا من زاوية معينة، لا يحاول أن يفحص النص أو يبحث في جوه وما جاء فيه من معان وخيال وابتكار وتقليد، مما يجعلنا لا نغلو إذا قلنا إن النقد في عصر بني أمية كان لا يزال في طوره البدائي ولم ينتقل بعد إلى طور التعمق في فهم الأدب.

أما في العصر العباسي فقد ازدهرت الحضارة وانتشر الترف واتسعت الثقافة لتشمل جميع ألوان المعرفة وقد نضجت آداب العرب ونقلت علوم غيرهم إلى لغتهم بعد أن نظمت الترجمة وشجعتها الدولة فأسس المأمون في بغداد مدرسة للمترجمين تضم مكتبة وتشرف عليها هيئة نظامية وجمعت مادة اللغة كما جمعت مادة الشعر الجاهلي والإسلامي وما أصدر عليه النقاد من أحكام. وتأثرا بهذه الثروة العلمية والأدبية، تحول الذوق الفطري إلى ذوق مثقف وتشعبت فنون الآداب لتشمل الرسائل والخطب والحكم والوصايا والأمثال، إلى جانب الشعر الذي لم يعد يصدر عن الطبع والسليقة، وإنما أصبح فنا وصناعة. واتخذ النقد في تناوله لهذه الفنون اتجاهين مختلفين:

فأما الأول فتقليد لنقد الأقدمين من جاهلين وإسلاميين ولكنه أوسع وأعمق، فقد أخذ علماء اللغة ينظرون في شعر السابقين ويبدون رأيهم فيه، فأبو عمر بن العلاء يقول في ذي الرمة: «إن شعره نقط عروس تضمحل عما قليل أو أبعار ظباء لها شم في أول شمها ثم تعود إلى أرواح الأبعار» وتنازعوا في أفضيلة شاعر على آخر، فعلماء البصرة يقدمون امرأ القيس وعلماء الكوفة يقدمون الأعشى وعلماء الحجاز يقدمون النابغة وزهيرا. ونظروا في شعر الشعراء وبحثوا الموضوعات التي نبغوا فيها وأتقنوها والموضوعات التي فشلوا ولم يوفقوا فيها فقالوا: «امرؤ القيس يحسن وصف المطر، وعنترة يحسن ذكر الحروب وطفيل الغنوي يحسن وصف الخيل وعمر بن أبي ربيعة يحسن ذكر الشباب». ثم نظروا في المعنى الواحد عند أكثر من شاعر وفي الألفاظ ما يستحسن منها وما يستقبح وإلى أخطاء النحو والإعراب وإلى ما وقع في الشعر من إخلال بالوزن والقافية وكان الخليل بن أحمد قد وضع علم العروض وحدد أوزانه وقواعده، ونظروا إلى ناحية الدين والأخلاق فعابوا على الشعراء الذين يمدحون ويسرفون ورأوا أنهم بغلوهم يجاوزون حدود الدين كما نظروا إلى الشعر من زاوية عناصره الفنية الخالصة كالخيال والاستعارة والكفاية والمجاز والابتكار والتقليد.

وأما الثاني فاتجاه علمي، لم يسبق إليه القدماء يعتمد على المناهج ويقول على التأليف ووضع الكتب. ولعل أقدمها كتاب: (طبقات فحول الشعراء) لابن سلام الجمحي وقد تناول فيه طبقات الشعراء فجعل الجاهليين عشر طبقات وكل طبقة أربعة شعراء وزاد على هذه الطبقات العشر طبقة أصحاب المراثي ثم شعراء القرى العربية وجعلها خمسا مكة والمدينة والطائف واليمامة والبحرين ثم شعراء المدينة الفحول من أوس وخزرج. ثم قسم شعراء الإسلام فجعلهم كالجاهليين عشر طبقات وكل طبقة أربعة شعراء، وقد اعتمد في تقسيمه على كثرة شعر الشاعر وجودته وتعدد أغراضه دون إحصائها كلها مقتصرا على المجيدين في المراثي وكأنه رآها أغزر الأغراض بالعاطفة. والذي يؤخذ عليه أنه غلب الكثرة فجعلها مقياسا لقيم الشعر دون أن ينظر إلى التوفر الفني فيه في وقت لم يوفق في حكمه بالقلة على شعر بعض القرى كمكة مثلا وكأنه لم ينظر إلى شعر عمر بن أبي ربيعة وغيره من الغزليين. كما أنه لم يقف طويلا عند النصوص التي أوردها لينقدها ويدقق البحث فيها ويكشف عن مواطن الجمال والقبح فيها. وابن سلام في نقده يعتمد على الذوق في تقدير القيم الفنية والإحساس بالجمال، وعلى الدربة والبصر بالشعر وعلى النظر في النصوص

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٨٦٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٨٦٠