والغناء كان يصدر عن ذوق وإحساس. ولكنه ذوق راق طريف وإحساس مرهف مصقول.
وفي العراق نرى لونا من ألوان الشعر يزدهر تحت تأثير الثقافة الحديثة هو الشعر السياسي الذي نظم في خصومات الخوارج والشيعة مع بني أمية وأنصارهم. وقد بدأت تظهر للخوارج في النقد الأدبي نزعة تهزأ بالشعراء الذين يقفون بأبواب الخلفاء والولاة ليمدحوهم سعيا وراء الشهرة والعطاء ميزانها الدين والأخلاق ومقياسها «أن الشاعر الحق من صدق في قوله واتقى الله في شعره» فقد مر عمران بن حطان على الفرزدق وهو ينشد والناس حوله فوقف عليه ثم قال:
أيها المادح العباد ليعطى إن لله ما بأيدي العباد
فاسأل الله ما طلبت إليهم وارج فضل المقسم العواد
لا تقل في الجواد ما ليس فيه وتسم البخيل باسم الجواد
ولكن هذه النزعة لم تدم طويلا ولم يكتب لها البقاء فقد ضاعت مع ضياعهم.
وفيما عدا هذا فقد كان الشعراء يسيرون على نهج فحول الجاهلية يفخرون ويهجون ولكن في معان جيدة وألفاظ مهذبة تأثرت بأسلوب القرآن. وكان طبيعيا أن يتبع النقد فيسير كذلك على هذا النهج. فقد كان الشعر ينشد في المربد وغيرها من الأسواق فيعرض له النقاد ليصدروا فيه عن ذوق حضري مهذب أحكاما تبين ميزة الشاعر ووجود ضعفه وقوته. وأخرى تتجه إلى التفضيل بين الشعراء فأي الثلاثة أشعر: جرير أم الفرزدق أم الأخطل. وإذا نظروا إلى المعاني فإلى الجزئية منها. أما في الشام فبالرغم من أننا لا نجد فيها شاعرا مشهورا غير عدي بن زيد الرقاع شاعر الوليد بن عبد الملك. فقد ازدهر فيها المديح بسبب الشعراء الذين كانوا يزورون دمشق ليمدحوا الخلفاء متنافسين وراء العطاء والشهرة، فقد كانت مجالس الخلفاء تعمر بالشعراء والأدباء الذين كانوا يجدون في القصر منتدى لهم يتناشدون فيه الشعر ويتدارسونه، مما جعل لهذه المجالس أثرا كبيرا في الأدب والنقد، ولا غرابة فهي عند العرب كالصالونات عند الغرب. ففي العقد الفريد أن عبد الملك بن مروان سمر ذات ليلة وعنده كثير فقال له: «أنشدني بعض ما قلت في عزة» فأنشده إلى هذا البيت:
هممت وهمت تم هابت وهبتها
حياء ومثلي بالحياء حقيق
فقال له عبد الملك: «أما والله لولا بيت أنشدتنيه قبل هذا لحرمتك جائزتك» قال:
«ولم يا أمير المومنين؟» قال: «لأنك شركتها معك في الهيبة ثم استأثرت بالحياء دونها» قال: «فأي بيت عفوت به عني يا أمير المومنين؟» قال «قولك:
دعوني لا أريد به سواها دعوني هائما فيمن يهيم»
واجتمع مرد في مجلسه جرير والفرزدق والأخطل فأمر بإحضار كيس فيه خمسمائة دينار، وقال لهم: «ليقل كل منكم بيتا في مدح نفسه فأيكم غلب فله الكيس».
قال الفرزدق:
أنا القطران والشعراء جربي
وفي القطران للجربى شفاء
وقال الأخطل:
فان تك زق زاملة فاني
أنا الطاعون ليس له دواء
وقال جرير:
أنا الموت الذي أتي عليكم
فليس لهارب مني نجاء
فقال له عبد الملك: «خذ الكيس فلعمري إن الموت يأتي على كل شيء».
فعبد الملك في الشام كابن أبي عتيق في الحجاز ناقد خبير يتذوق، ويتعمق، فلقد عاب على بعض الشعراء عدم براعتهم في الاستهلال وعاب على آخرين إطالتهم في مدح أنفسهم. وفي رأيه أن المدح يجب أن يكون خالصا للممدوح.