أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى
ويتلو كتابا كالمجرة نيرا
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا
وأنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
فيسأله وقد أحس أنه يفخر فخر الجاهلين: (إلى أين يا أبا ليلى؟) فيقول (إلى الجنة إن شاء الله).
ثم يزداد إعجاب الرسول به ويدعو له بقوله: (لا يفضض الله فاك) حين ينشده:
ولا خير في حلم إذا لم تكن له
بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له
حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
ناظرا إلى قوله تعالى: «خذ من العفو وأمر بالمعروف واعرض عن الجاهلين» وإلى قول الرسول: (ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد من تملك نفسه عند الغضب).
وهذا عمر بن الخطاب ينشده سحيم عبد بني الحسحاس قوله:
عميرة ودع إن تجهزت غاديا
كفى الشيب والإسلام للمرء هاديا
فيقول له: «لو قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك».
ونظروا إلى مسألة أخرى في النقد هي مسألة الطبع والتكلف فاستحسنوا كل كلام يجاري الطبع ويساير الفصيح المعروف واستقبحوا كل كلام فيه الغلو والتكلف والغريب. وهذه نزعة جديدة في النظر إلى الكلام لم يعرفها الجاهليون. فقد سأل سائل عمر بن الخطاب: «يا أمير المومنين أيضحي بضبي؟» قال: «إنها لغة» قال: «انقطع العتاب ولا يضحى بشيء من الوحش» هذا من ناحية اللفظ أما من ناحية المعنى فكانوا يحبون القصد والاعتدال ولم يكونوا يحبون الغلو والإسراف فعمر بن الخطاب كان يعجب بشعر زهير لأنه لم يكن يعاطل بين القول ولا يتبع حوشي الكلام. ولا يمدح الرجل إلى بما فيه، وهذا نقد جديد يعتمد على تعليل الاختيار والتفضيل بناء على مقاييس تتناول كما رأينا الألفاظ والمعاني، ولا نبالغ إذا قلنا أنه أساس للنقد الموضوعي الذي يتعمق فهم عناصر الفن الأدبي. وبصفة عامة فقد بقي النقد في هذا العصر الإسلامي الأول قريبا من نقد الجاهليين فالنقاد يجملون في كلمات موجزة سريعة أحكاما يصدرون فيها عن أذواقهم التي لا زالت قريبة من الفطرة لا يبحثون عن العلل والأسباب، وكان انصراف المسلمين للفتح والجهاد لم يترك لهم مجالا لإطالة النظر في الأديب واستقراء ألفاظه ومعانيه، واستخلاص عناصره وخصائصه والوقوف على عيوبه وتعليلها.
وفي العصر الأموي تلونت الحياة بألوان جديدة وتغيرت المظاهر وتحولت الأهداف بعد أن استقر العرف في المدن والأمصار وتأثروا بحضارات مختلفة صقلت عقولهم وهذبت أذواقهم فتطور شعرهم ونما وازدهر في بيئات لم يكن يعرفها قبل الفتح الإسلامي فقد أخذت الشام والعراق والحجاز تزاحم بيئة نجد التي نبغ فيها أكثر الشعراء وكانت الحجاز أسبق هذه البيئات إلى التطور بظهور أدب جديد فيها أهم ما يميزه أنه يدور حول الحب وحوادثه مما كان له أثر في النقد الذي اتخذ مظهرين:
أولهما يمثله النقاد من الشعراء أمثال كثير الذي سمع مرة عمر بن أبي ربيعة يقول:
قالت تصدى له ليعرفنا
ثم اغمزيه يا أخت في خفر
قالت لها قد غمزته فأبى
ثم اسبطرت تشتد في أثري
فقال له: «أتراك لو وصفت بهذا حرة أهلك ألم تكن قد قبحت وأسأت وقلت الهجر؟ وإنما وصفت الحرة بالحياء والخجل والامتناع».
والثاني يمثله النقاد من غير الشعراء كابن عتيق فقد ذكر بحضرته شعر عمر بن أبي ربيعة والحارث ابن خالد فقال رجل من قرابة الحارث: «صاحبنا أشعر» فقال ابن أبي عتيق: «دع قولك يا ابن أخي فلشعر ابن أبي ربيعة نوطه بالقلب. وعلق بالنفس ودرك للحاجة ليس لشعر الحارث، فخذ عني ما أصف لك: أشعر قريش من رق معناه ولطف مدخله وسهل مخرجه وتعطفت حواشيه وأنارت معانيه وأعرب عن صاحبه» وقد تحدث بعض المحدثين عن ابن أبي عتيق، فقال عنه أنه لم يكن في نقده يقصد إلى الألفاظ والتراكيب ولم يكن يطلق الأحكام إطلاقا من غير تعليل. والحق أن هذا النقد الذي ازدهر في مجالس الشعر