تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم أنشده حسان بن ثابت الأنصاري:

لنا الجفنان الغر يلمعن بالضحى

وأسيافنا يقطرن من نجدة دما

ولدنا بني العنقاء وابني محرق

وأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما

فقال له النابغة: «أنت شاعر ولكنك أقللت جفانك وأسيافك وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن أنجبك».

في «الشعر والشعراء» أن الخنساء أنشدته في هذا المجلس قصيدتها في رثاء أخيها صخر:

قذى بعينك أم بالعين عوار

أم أقفرت مذ خلت من أهلها الدار

فقال لها النابغة: «والله لولا أن سبقك أبو بصير أنشدني آنفا لقلت أنك أشعر الجن والإنس» فقال حسان: «والله لأنا أشعر منك ومن أبيك ومن جدك» فقبض النابغة على يده ثم قال: يا ابن أخي إنك لا تحسن أن تقول مثل قولي:

فإنك كالليل الذي هو مدركي

وإن خلت أن المنتأى عنك واسع

ثم قال للخنساء: «أنشديه» فأنشدته فقال: «والله ما رأيت أنثى أشعر منك»، فقالت الخنساء، «والله ولا رجلا».

من بين هذه الأمثلة الموجزة نستطيع أن نتبين مظهرين للنقد في هذا العصر: أولهما: ذاتي يمثله حكم أم جندب الطائية ليس مؤيدا ولا مدعما وبالرغم من أنها عللت رأيها في بيت امرئ القيس كما أسلفنا فهي لم تحاول إمعان النظر في القصيدتين لتوازن بينهما وتستقري ما جاء في ألفاظهما ومعانيهما. فكرهها امرئ القيس وحبها لعلقمة وطلاقها من الأول وزواجها من الثاني كل هذا دليل على أن حكمها كان ذاتيا صادرا عن شيء في نفسها هو هواها. وفي هذا اللون من الأحكام يشترك العرب جميعا يستمعون إلى الشعر، يتذوقونه ويطربون له ويقدرونه فيستحسنوه أو لا يكون شيئا من ذلك فيستقبحوه والثاني موضوعي يمثله حكم النابغة حين يعلل رأيه في شعر حسان. ولكن موضوعيته جزئية لا تبحث ولا تتعمق. وهذا اللون هو لون الأخصائيين من الشعراء الذين كانوا يبدون الملاحظات لا يكتفون بالإعجاب أو السخط.

ومع هذا فالذاتية أهم صفة لهذه الآراء النقدية الساذجة التي ليست وليدة نظرة فاحصة أو دراسة ممعنة. ولعل السبب في ذلك أن حياتهم العقلية أولية. بل وبيئتهم الطبيعية والاجتماعية وما فرضته من تنقل وعدم استقرار لم تجعل الأمن يعرف سبيله إلى عقولهم وقلوبهم لتنظر في العلوم والفنون وتبحث وتفكر فجاءت لذلك آراؤهم تجمعها كلمات موجزة سريعة لم تكن لتصدر إلا ارتجالا وعن سليقة وملكة. ولا غرابة فحتى هذا الشعر الذي استطاعوا أن يرسلوا القول فيه لم يصدر عنه إلا ارتجالا وعن هذه الملكة نفسها.

وجاء الإسلام فخرج بالعرب من ظلمات الجاهلية وأضاء لهم أجواء جديدة لم يكن لهم عهد بها ونفذ إلى نفوسهم النافرة فأعاد إليها الأمن وإلى عقولهم فارتقى بها وهذبها وكان أن حل الاستقرار والهدوء محل التنقل والاضطراب فنشطت حركة الشعر يمثلها طائفتان من الشعراء -فأما الأولى فكافرة تعادي الإسلام- وتخاصم أصحابه يمثلها شعراء قريش ويردون على أباطيلهم. وكان النبي عليه السلام المهاجرين والأنصار ويرثون قتلى المشركين من أهل مكة وأشهر هؤلاء عبد الله بن الزبعري والحارث بن هشام بن المغيرة وأبو سفيان بن حرب وأمية بن أبي الصلت الثقفي الذي كان الرسول ينهي عن رواية شعره وخاصة قصيدته التي ضمنها في قتلى بدر. وأما الثانية فطائفة شعراء الرسول أمثال كعب بن زهير وحسان بن ثابت وغيره من شعراء الأنصار الذين كانوا يقفون في صفه يدافعون عن الإسلام ويناهضون شعراء قريش ويردون على أباطيلهم. وكان النبي عليه السلام يعتز بهم وبحثهم على تأييده ويطلب منهم أن ينصروه بالشعر كما نصروه بالسيف. وفي الخبر أنه قال لحسان - (اذهب لأبي بكر وخذ عنه ما تريد من معرفة مثالبهم ومواضع الذم فيهم) وكان يقول له - (اهجم ومعك جبريل روح القدس).

وإذن فقد نشطت حركة الشعر ونشطت معها حركة النقد وأصبح الدين ميزانا يقيس النقاد به الشعر ينظرون فيه على هديه يستحسنون منه ما لاءم روحه ومبادئه ويستقبحون ما خالف هذا الروح وهذه المبادئ. فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع نابغة بني جعدة يقول:

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٨٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٨٥٧