فتح سجستان: استغل خلف بن أحمد فتوحات يمين الدولة فاستولى على تهستان وبوشنج وكانت بوشنج وهراة تحكم من قبل يغراجق عم يمين الدولة محمود، وأراد الأخير أن يوقف توسعات خلف ابن أحمد فاصطدم بيمين الدولة خصوصا بعد أن تم له أمر القضاء على عم يمين الدولة، وهذا ما أثار محمودا في الانتقام من خلف خصوصا بعد أن تحصن الأخير بحصن اجبهبذ وهو موقع ممتاز بتحصينه، وبازدياد الضغط والخناق عليه تمكن من القضاء عليه وتم له هذا في سنة 391هـ، وعادت سجستان من ضمن ممالك يمين الدولة.
الفتوحات في الهند: أسبابها: من الأسباب التي يسوقها ابن الأثير في فتوحات الهند أنه باستتباب أمر خراسان وما جاورها من الإمارات الإسلامية أراد السلطان محمود أن يكفر عن حروبه مع إخوانه المسلمين في الإمارات الإسلامية وذلك بتحويل دفة هذه الحروب إلى الهند التي شاع بين أهلها الكفر، و معاداة الدين الإسلامي (1). وسبب آخر يسوقه بعض المؤرخين وهو أن طابع الحملات التي قادها بنفسه في الهند كانت تهدف إلى الجهاد الديني ونشر الدعوة الإسلامية تتميما للمحاولات الأولى التي بدأها العرب المسلمون.
ومن المؤرخين المغرضين من يحلو لهم أن يشوهوا هذه الفتوحات وذلك بإكسابها صبغة المجازر الوحشية التي كان لها أبلغ الأثر في إقرار الدين الحنيف بالهند. إننا نرى من المؤرخين من يفند هذا الرأي أمثال المؤرخ الإنجليزي الكبير السير توماس أرنو لد حيث يقول: «على أننا نجد بين الستة والستين مليونا من المسلمين في الهند (إحصاء قديم) عددا هائلا لم يكن للقوة والعنف نصيب في تحويلهم أو في تحويل ذريتهم إلى الإسلام بل كان التعلم والإقناع وحدهما اللذان كان لهما أبلغ الأثر في هذا السبيل» (2).
وسبب آخر يمكن اللجوء إليه في تفسير هذه الفتوحات هو ما اشتهرت ته ممالك الهند الغنية وقصورها ببدائع التحف ونفائس الجواهر وما اشتهرت به من غنى قد يكون له من العوامل المحفزة لتجهيز هذه الحملات، وما يمكن أن تدره من المبالغ العظمى والأسلاب والغنائم وهذا العامل الاقتصادي لا يمكن إغفاله بتاتا.
وفي مقدمة هذه الفتوحات هي فتح مملكة البنجاب التي كان ملكها «جيبال» فانهزم فيها هذا الأخير سنة 392هـ وتم أسره هو وأسرته، وغنم فيها غنائم عظيمة القيمة وجواهر نفيسة حيث قدرت القلادة التي كانت في عنقه وحدها بمائتي ألف دينار (3) بالإضافة إلى خمسمائة ألف رأس من العبيد، وأراد يمين الدولة أن يعيد إليه اعتباره فأطلق سراحه، إلا أنه لم يرض بوضعه مهانا ذليلا بين قومه فآثر الانتحار، وباختفاء شخصية جيبال من عالم الحكم أمكن ليمين الدولة أن يضم إمارة «ويهند».
وفي سنة 395هـ قرر غزو «بهاطية» وتقع وراء المولتان وكان يحكمها «ببجرا» وامتازت بتحصين أسوارها العالية، وأحيطت بخندق عميق فاعتصم بها صاحبها واستمرت حروبه ثلاثة أيام ضد المسلمين وانهزم في اليوم الرابع، وكان هذا بظاهر المدينة حيث أراد أن يدخل المدينة المحصنة من إحدى البوابات الضخمة إلا أن المسلمين سبقوه إلى ذلك فأعيته الحيلة والتجأ أخيرا إلى الجبال لينظم المقاومة فسرعان ما طوقه المسلمون فآثر الانتحار بخنجر.
عمل بعد ذلك يمين الدولة في إصلاح أحوال بهاطية ونظم أحوالها وعاد إلى غزنة بعد أن ترك من المسلمين من يفقه أهلها الدين الحنيف (4).
وأثناء رجوعه إلى غزنة صادفته أمطار طوفانية حيث فاضت الأنهر وضاع قسم من جيشه.
وفي سنة 396هـ قرر يمين الدولة فتح المولتان وسبب ذلك ما نمي إليه من شيوع الفساد فيها، وكثرة البدع، وأراد بدافع دينه أن يحارب هذه الإمارة وصادف أن كانت بعيدة عنه مسافات طوالا، ونظرا إلى ما اعترض جيوشه في الطريق من كثرة الأودية طلب من صاحب مملكة يسمى «اندبال» أن يأذن له بالعبور في
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ: ج 9 ص 70.
(2) توماس أرنولد: الدعوة إلى الإسلام ص 70.
(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ: ج9 ص 71.
(4) ابن الأثير: الكامل في التاريخ: ج 9 ص 77 - 78 - 79.