تمثل الجزء الأكبر من أراضي النفوذ الفارسي، وكذلك في البنجاب، وقد آلي على نفسه أن يقوم في كل سنة بغزوتين مقدستين لمحاربة الكافرين من الهنود وتمكن من غزو البنجاب سبعة عشر مرة، ووصل بذلك إلى البحار الغربية.
في السنة التي توفي ناصر الدولة سبكتكين كان ابنه محمود أول من لقب بالسلطان ولم يلقب به أحد من قبل1. أوصى أبوه سبكتكين بالملك لابنه اسماعيل، فبايعه الجند والقواد، وأخذ يبذر أموال الدولة ويغدق على القواد حتى كادت الخزينة أن تمنى بالضياع، والتجأ إلى حياة ملؤها الدعة، بينما كان محمود بعيدا عن الدولة بنيسابور، فنعي إليه خبر وفاة أبيه فأرسل إلى أخيه يعزيه، وبدأت بينهما سلسلة من المراسلات السرية مفادها إقناع إسماعيل بأحقية أخيه في الملك نظرا لأنه أكبر منه سنا، كما طالبه بنصيبه في تركة أبيه، ويظهر أن هذه الوسيلة قد فشلت، فخرج محمود من نيسابور يريد غزنة ليسوي الأمر مع أخيه، فاجتمع بعمه (بغراجق) وساعده على أخيه، كما التف حوله الأمراء والقواد وذلك بعد أن شجعوه بالمجيء إلى غزنة، وانتهى هذا الاستعداد بالاصطدام بين الأخوين فانهزم إسماعيل، واعتصم بإحدى القلع، فأمنه أخوه محمود، فلما نزل منها أكرمه وأحسن وفادته، وأخيرا اشركه في الملك مدة سبعة أشهر2.
الفتوحات العسكرية: تظهر شخصية محمود الغزنوي قوية فذة في الميدان العسكري خصوصا مع أبيه سبكتكين أيام توطيد سلطانه وتوسيع فتوحاته فكان ابنه محمود الساعد الأيمن خصوصا في المعارك التي دارت بين أبيه وبين أبي علي بن سيمحور، وفخر الدولة بن ركن الدولة البويهي فتم له أمر نيسابور، وتسلم إدارتها بعد أن قضى على نفوذ السامانيين، وولى ابنه القيادة العسكرية في خراسان، ولقبه بسيف الدولة.
وبوفاة أبيه سبكتكين سنة 387هـ بعد أن وضع الأسس القوية للإمبراطورية الغزنوية نتيجة لتوالي الانتصارات في عهده سواء في الشرق أو الغرب، وما أوثر عنه من الصلابة وقوة الإرادة، فقد تمكن ابنه محمود أن يرث ما لأبيه من تلك الخصائص والصفات التي هي حجر الأساس في القيادات والزعامات.
وبتسوية أمر النزاع مع أخيه إسماعيل كما رأينا استتب له الأمر، هذا في الوقت الذي كان يطمح إلى أن يكون الوريث الحقيقي للسامانيين، وهذا ستفسره الأحداث والحروب المتوالية التي عرفت بها شخصية محمود، فبعد احتلال نيسابور وضم مرو التي كانت آخر معقل للسامانيين، اتخذ نيسابور عاصمة له، وتودد للقادر الخليفة العباسي فأخذ يخطب له في المساجد خصوصا بعد أن أبطل الخطبة السامانيون في أواخر عهدهم3، ولم يكن من القادر إلا أن بارك أعماله وفتوحاته فلقبه يمين الدولة وأصبح بذلك عند حسن ظن الخليفة العباسي.
فتح خراسان: يعتبر فتح خراسان من أهم الفتوحات التي خاضها محمود حيث قدر له بواسطتها أن يؤمن هذا الجانب فيتفرغ إلى فتوحاته بالهند، ذلك أن بكتوزون حاكم خراسان عندما سمع بمسير محمود إليه جمع أنصاره أمثال عبد الملك بن نوح وبالرغم من ذلك فقد انهزمت جيوش بكتوزون وفر مع أنصاره إلى بخارى وأعادوا تنظيم جيوشهم بتغيير خطط الهجوم فسير إليهم جيوشه بقيادة قائده الشهير أرسلان ودانت له بذلك الإمارات الموالية كإمارة آل فريغون وإمارة غرشتان وخراسان بما جاورها من الإمارات الموالية لها تعتبر آخر الأماكن التي اعتصم بها السامانيون، وأنقذت بذلك من الإسراف والظلم الاجتماعي والانحلال الذي سادها بفساد آخر الأمراء الذين حكموها، وفيها أعيد الاعتبار الشرعي الذي فقدته الخلافة العباسية (4)
1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 9 ص 54
2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 9 ص 57
3) الصابي: تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء ص 372.
(4) ابن الأثير: الكامل في التاريخ: ج 9 ص 67.