دعوة الحق، س.4، ع2 /نونبر 1960 .................... ص50
محمود الغزنوي 388 - 461هـ
للأستاذ عبد الصمد السرايري
تمهيد:
في الفترة التي أخذت قوة الخلفاء العباسيين الأواخر في التداعي السياسي وضعف نفوذهم العسكري إذا بالقومية تأخذ اتجاهها البارز لدى الشعوب التي فتحها العرب واهتدت إلى الدين الحنيف، ولعل من ضمن هذه الممالك الشرقية التي أصبحت مستقلة عن الخلافة هي فارس والسامانيون الذين كانت عاصمتهم بخارى، وبعد نهوض هذه الممالك المستقلة، تلا ذلك أيضا قيام الممالك الأخرى التي نهجت نفس السبيل، فالأتراك أصبحوا يمثلوا عنصرا أكثر نشاطا، وأقوى فعالية في مماليك الخلافة الشرقية، فكان يغلب عليهم الطابع البدوي، من خشونة وعدم تحضر، إلا أنهم بتدرجهم نحو الإسلام بدأوا يتفقهون في تعاليم الدين الجديد، واكتسبوا بذلك طابعا جديدا مكنهم من الظهور في الميادين السياسية والعسكرية، ومن المماليك الأخرى التي حظيت بالاستقلال غزنة التي نحن بصدد البحث فيها عن شخصية فذة ستتناولها بالدرس والتحليل فيما بعد، وهي شخصية يمين الدولة محمود الغزنوي.
ذلك أن البيت الغزنوي استقل نهائيا عن البيت الساماني سنة 976م وقدر لهذه المملكة أن تعيش قرنين كاملين، وكان مؤسسها ألب تكين حيث كان مملوكا تركيا تربى في أحضان السامانيين ببلاطهم، والملاحظ أيضا في أمر هذه الإمارات أنه بالرغم من استقلالها عن الدولة العباسية سياسيا وعسكريا، فإنها اعترفت بها للخليفة من آثار التبعية ويظهر ذلك في ذكر اسمه بخطب الجمع، ونقش اسمه على النقود، ولم يكن الغرض من ذلك سوى حرص الأمراء في الإبقاء على المظاهر التي تكسب حكمهم الصبغة الشرعية فيباركه الخلفاء العباسيون ببغداد، وما دمنا بصدد البحث عن هذه الإمارات وخاصة السامانيين فالذي يهمنا أنه نتيجة للآفة التي تعرضت لها الخلافة العباسية حيث استسلم زمامها السياسي والعسكري القواد الأتراك، فإنه بتعيين البكتكين حاكما على خراسان ابتغاء إقصائه عن العاصمة العباسية لاسيما بعد أن استفحل أمره وعظم خطره فسرعان ما استفحل بغزنة من جبال سليمان بأفغانستان، حيث تولى حكمها أبوه من قبل، فتوفى فجأة وتسنى لمملوكه سبكتكين الذي تصاهر معه أن يستولي على زمام الأمور، فامتدت فتوحاته إلى بست وسجستان واعتبرت هذه الفتوحات من الممهدات التي سهلت لابنه محمود عمليات الفتوح فيما بعد، كما أن سبكتكين امتاز بحملتين هامتين خلدت اسمه من بين الفاتحين المظفرين وخاصة في الهند وذلك عندما استغل نزاع الأمراء الهنود، وكذلك انتصاره على ملك البنجاب (جيبال) حيث أكرهه على أن يخلي إقليم (كايل) الذي يعتبر من أهم الممرات الاستراتيجية والمؤدية إلى المماليك الهندية كما أنه اشتهر بأنه بطل الإسلام والمجاهد المسلم ضد الكافرين1.
1) بروكلمان: تاريخ الشعوب الإسلامية ج 2 ص 119.