هذا المدني الذي خرج من بيئة أخرى وتربى تربية أخرى وبدأ تاريخه تحت ظل آخر، وطني مخلص، جزء من شعب هذا الوطن، مرموق الغد لأمته، قوي القلب والنفس، والساعد والإرادة، ولكنه لم يتهيأ لأسباب الدفاع الكاملة ليعرف أنه في أمة عربية مسلمة يريدها العدو بكل أنواع الشر والفساد، وإذا فلا بد لكي يتمرس هذا الذي لم يتمرس قبل للدفاع لكي يتمرس بالحياة المدنية على الوجه الذي أراده الذي دافع حتى احترق ويبست قدماه وجمد في مكانه كصخرة على صخرة يجب أن يتدرب أيضا، يجب أن يكمل نقصه كما يكمل نقص الأول، وإذا فهناك نقص مشترك قطعا، هناك نقص حقيقي في ذلك الجندي المرابط الذي وقف صخرة على صخرة قرونا لم يتقدم خطوة إلى الأمام، وهناك نقص آخر قد يكون أشد منه في الذي عاش تحت ظل غاية أخرى وتثقف ثقافة أخرى وقطعه الاستعمار قطيعة كاملة أو شبه كاملة عن ماضيه، عن أمته، عن لسان وطنه، عن دين قومه، عن مثل أهله، عن تاريخه، انتزعه من الأرض كما تنتزع شجرة ثم تضعها من غير أن تحفر لها لتنمو مرة أخرى في نفس الأرض، أبدا أبدا، لا يمكن أن تستقيم الحياة إذا تولاها ذلك الذي يبس على مكانه ولا يمكن أن تستقيم الحياة إذا تولاها ذلك الذي انتزع من بيئته ليصنع صنعة أخرى، لا ندري أي بيئة بعد ذلك يصنعها.
بعد اليوم وحين تكون وظيفة الطبيب للطبيب، وحين تكون وظيفة المهندس للمهندس، وحين تكون وظيفة المعلم للمعلم، وحين تكون وظيفة كل متخصص في تخصصه، ما وظيفة خريج القرويين؟ قيل لي تكون وظيفة خريج القرويين أنه حامل دين، صاحب دين. وأعتقد أن الإسلام لا يعرف صاحب دين وإنما يعرف المسلمين جميعا أصحاب دين، يجب أن يتعلم جميع المواطنين الدين ويجب أن يتعلم جميع المواطنين حرفة مع الدين، حرفة على تخصيص. لماذا لا يكون طالب القرويين طالب طب وطالب دين معا؟ ولماذا لا يكون طالب الحقوق في جامعة أخرى طالب حقوق وطالب دين معا؟ لماذا لا يكون هناك قدر مشترك من المعرفة العربية الإسلامية لكل متعلم ولكل متخصص؟ التخصص قبل القدر المشترك بناء على غير أساس. ما هو القدر المشترك من علم العرب، ما هو القدر المشترك من علم المسلمين، ما هو القدر المشترك من المعرفة بالمثل العربية الإسلامية التي يعرفها الطالب قبل أن يتخصص في القرويين أو في غير القرويين؟ ما هو القدر المشترك الذي يلقفه التلميذ منذ السنة السادسة أو السابعة في المدرسة الابتدائية؟ ما هو القدر المشترك من علم العرب وعلم المسلمين الذي يتعلمه التلميذ في المدرسة الثانوية، ما هو القدر المشترك من علم العرب وعلم المسلمين الذي يتعلمه التلميذ في المدرسة الثانوية، ما هو القدر المشترك الذي يريد أن يبني عليه المتخصص في الدين بناءه العلمي ليصل معارف عامة بمعرفة متخصصة في كلية القرويين؟ ما هو القدر المشترك من علم العرب وعلم المسلمين الذي يبني عليه طالب الطلب معرفته ليكون طبيبا عربيا مسلما؟
لا نريد، لا تريد الأمة العربية ولا يريد المغرب ولا يريد أي قطر من أقطار العرب أن يكون نصف المجتمع العربي مشلولا، ولا يعرف العرب ولا يعرف المسلمون محترفين بالدين، يجب أن يكون الدين لكل مواطن ويجب أن تكون الحرفة لكل ذي دين في وطنه، لا نريد أن ينظر رجل الدين إلى نفسه كأن دينه هو مصدر رزقه نزولا بالدين إلى المستوى الذي نزل بالدين في نفوس كثيرة ترونها وتحسونها.
أيها الإخوة.
هناك نكتة مهمة جدا حين نتحدث في هذا الموضوع لنصل علم العرب بعلم الحياة التي يحياها العرب في هذه الأيام نكتة مهمة جدا لا يجب أن تغيب عنا هي أن كل مواطنين في وطن يجب أن يكون لهم انفعال مشترك وإحساس مشترك ومثل مشتركة وشيء من الثقافة مشترك يجعل انفعالهم واحدا وإحساسهم الوطني واحدا وتفكيرهم في الغد واحدا.
طالب القرويين وطالب غير القرويين يدرس تعليما عاليا، عاليا في آخر مراحله. في المرحلة التي قبل ذلك أو التي قبل قبلها يجب أن تكون موحدة، ولكن على أي نظام تكون موحدة، فما دام لا بد من أن يزاوج بين علم الدين وعلم الدنيا لإخراج ذوي حرفة وذوي مثل في كل حرفة، ما دام لا بد أن يسبق ذلك نوع من توحيد التعليم فلا بد أن يسبق ذلك اختيار نوع التعليم الذي توحد عليه المدرسة المشتركة، ما لم توحد على نظام مجرد سليم مأمون العاقبة فإن الأخذ بأي نظام غير ذلك معناه أن نلغي أحد الناقصين لنضع مكانه أنقص الناقصين، ينبغي أن نوحد التعليم،