اجتماعيا نريد وما نوع المرشد الاجتماعي الذي نريد، ثم هؤلاء المتخصصون جميعا أنريدهم كما قال الأخ الدكتور سليمان الحزين الأمس اختصاصيين في الحرفة أو اختصاصيين إنسانيين معا.
في المغرب مثلا، واسمحوا لي أن أضرب المثل ببعض ما رأيت، وإن كنت لا أعطي تمام الوصف كما يراه أهل الدقة، لأن نظرتي قصيرة، قصيرة الزمن وقصيرة المدى أيضا، عندنا جامعة القرويين، جامعة القرويين هذه عريقة قديمة قامت على أساس راسخ من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، قامت على إيمان كامل بأن رسالتها هي حياطة هذا الدين وحياطة أسبابه حياطة كاملة شاملة توجه به من حولها ومن وراءهم التوجه الإنساني الذي أراده الله، ومضت إلى غاياتها أحد عشر قرنا، وأدت رسالتها أداء كاملا وانتشرت رسالتها في الشرق والغرب، وتعلم منها علماء في مصر، وعلماء في باقي شمال إفريقيا وعلماء في الشام وعلماء في العراق، وعلماء في بلاد الخليج وعلماء فيما وراء الحدود العربية منذ أحد عشر قرنا، وحين أقول تعلم منها هؤلاء لا أعني في كل حالات التعلم المباشر، فإن الجامعة ليست هي المكان ولا الرواق وإنما هي العالم والكتاب والعلم نفسه، ليس هذا وحده ولكن جامعة القرويين في موقفها الأخير خلال قرون المقاومة كانت حصنا من ألمع حصون العروبة والإسلام، وقفت راسخة في مكانها كالطود لا تتزحزح، منها كل القادة ومنها كل الزعماء، منها مباشرة أو بطريق غير مباشرة، تخرجوا منها ليقودوا ويتزعموا ويوجهوا أمتهم إلى مستقبلها، أو خرجوا ليعلموا قادة، هم القادة وقادة القادة، ووقفت في مكانها كما قلت في حديث مضى وقفة الحارس على رباط، والحارس على رباط لا ينبغي أن يتقدم ولا أن يتأخر والعدو بإزائنا هنا قرونا عدة، سلاحه مشرع في وجوهنا والشرر يتطاير من عينيه إلينا وصيحات الحرب في فمه تنصب في آذاننا، ولم يكن ثمة إلا رجال القرويين والذين علمتهم القرويين والذين قادهم قادة القرويين ليكافحوا ويدفعوا، وقفوا وقفة الحارس على الشاطئ يدفعون ذلك العدو المتربص خلال تلك القرون، ولم يكن موقفهم في الدفاع يسمح لهم أن يتحركوا من مكانهم، ثبتوا، وقفوا في مكانهم، لأنهم كان يجب أن يقفوا، ثبتوا لأنهم كان لا بد أن يثبتوا، جمدوا لأنهم كان لا بد أن يجمدوا، كان جمودهم ذاك جمود مدافع، فهو جمود الفضيلة لأنه جمود الاستبسال في الدفاع عن الشرف.
فلما مضى ذلك العدو أو أوشك أن يمضي، أخذنا ننظر إلى هذه الجامعة القائدة الرائدة الموجهة التي صنعت تاريخ المغرب ونصف تاريخ العرب، فرأينا المغرب في حاجة إلى قادة يوجهون مرافقه وإدارته وأعماله، يرممون ما تهدم من جوانب تلك المرافق ويسيرون بالحياة مسيرها إلى غايتها.
من هؤلاء الذين يديرون ويرممون ويسيرون بالحياة إلى مسيرها؟ ذلك الجندي الذي انتزع من بيئته ومن أسرته وقت المعركة ليقف في وجه العدو كل ذلك الزمن المتطاول لو يؤت به بعد الحرب إلى الحياة المدنية لاحتاج إلى تدريب طويل حتى يضطلع بأعباء الحياة المدنية. وإذا فقد كان لا بد من رعاية هذا الجندي الذي حفظ الوطن وحمى الوطن وبذل دمه لأجل الوطن وجمد في مكان الدفاع عن الوطن حتى نجا الوطن، كان لا بد حين يعود إلى الحياة المدنية من أن يهيأ للاضطلاع بأعباء الحياة المدنية ليضطلع بها على الوجه الكريم الكامل الذي اضطلع به في حياة الدفاع، ولكن الأمم في سرعتها إلى طلب الصلاح قد لا تلجأ إلى هذه الوسيلة الدائمة ربما تأخذ قصدا من لم يحارب، لم يكافح، لم تثبت قدماه على الأرض، لم يثبت نعله على التراب، لم يثبت ثبات القرون، لم يزل في مرونته ومطالعته ليضطلع بأعباء الحياة المدنية، هذه أيضا نظرية معقولة ومنطقية، ولكن هناك مبدأ، سننظر إلى الوظيف، ما هي الوظيفة، ما هي وظيفة الذي يتولى ترميم المرافق وإدارتها وتسييرها مسيرها إلى غايتها، هل وظيفته أن يضع القفل في المفتاح ثم يدخل ويجلس ويترك الحياة تمر أمامه كما تمر على أي وجه تمر، كل ما يعنيه أن لا تتوقف، دون أن يحدث فيها تجديدا أو يحول لها اتجاها، لو أن الأمر كان كذلك لما كنا بحاجة إلى قرون المقاومة الطويلة لنستقل، لنشعر بكياننا، لنشعر بوجودنا، لنشعر بأننا هنا شيء لأنفسنا ولمن حولنا بإرادتنا لا بإرادة غيرنا، هذا الذي عاش حياته كلها في الحياة المدنية لم يتمرس بجندية الدفاع والمقاومة يمكن أن يكون مدنيا أصيلا كل الأصالة ولكنه أيضا بحاجة إلى أن يتعلم بعد قرون المقاومة، هو أيضا بحاجة إلى أن يتدرب، بحاجة إلى أن يحسن استعمال السلاح، بحاجة إلى أن يدرب على أن يقف مثل وقفة أولئك الجامدين على الشاطئ سنين وقرونا حتى إذا ما دعا الداعي إلى الدفاع أمكن أن يكون المدني وغير المدني كتفا إلى كتف في صف المعركة، والمعركة هنا ليست معركة سلاح ودم ولكنها معركة الروح والنفس،