تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لسان، منذ قرون، حكايات عن التلمود والتوراة والأناجيل؛ ولكنه كان يحس برغبة كالظمأ، يزداد نموها، وشيئا فشيئا، أخذ يبتعد عن أهله، ليذهب وحيدا في الصحراء، نحو الأحشاء المحترقة بجبل حراء، غير البعيد عن مكة، فهناك غار تجتذبه إليه وحشته، يتوغل فيه ويقيم أياما وأحيانا أسابيع كاملة، يعيش وحيدا بالتمر ولبن المعز، ينتظر شيئا لا يعرف ما هو.

وفجأة، يحدث الشيء، فعند غروب الشمس، حيث تكون السماء خضراء، ورياح الرمل تثير غبار المساء الأكلف، كان يخرج من غاره حينما انقض عليه الشيء الوهاج طارحا له على الأرض في سرعة البرق، وعندما فتح عينيه كانت السماء تتلألأ بالنجوم، ماذا حدث له؟ إنه مثل كرة من النار تنفجر من الرأس، ثم شيئا فشيئا يعود كل شيء إليه، ففي ثلاث مرات كان «حامل الأجنحة» يأخذه من الحلق ويهزه حتى يكاد يختنق، قال له: «إقرأ!» ملوحا أمامه بطريقة الراية حيث كانت تسطع حروف من نار (1) ولمرتين تأوه الرجل الطريح نصف مختنق (ما أنا بقارئ) ولمرتين أعاد الآخر، «اقرأ» وارتفع الصوت المفزع، وكل حرف من الراية توغل فيه كسيف من اللهب: «خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ» [العلق: 2 - 5]

وينهض الرجل مفزوعا، ويفر إلى منزله، ولكن، بينما هو يعدو كان الصوت يتبعه: «يا محمد أنت رسول الله، وأنا الملك جبريل».

ليلة الوحي هذه - التي يقع إحياء ذكراها منذ 1300 سنة في صيام وصلوات شهر رمضان -هي ليلة القدر، الليلة المقدسة في الإسلام.

وخلال وقت طويل، ظل يشك في مهمته (2)، ولكن خديجة زوجته، وورقة المسيحي، هدءا من روعه بلطف، وقالا له: إن الله هو الذي أرسل إليه الملك جبريل. كان يظن أنه وقع فريسة الجن، عفاريت الرمال؛ وخلال ثلاثة أعوام (3) كان يصمت، ويختفي، خجلا من المغامرة التي ذهب ضحيتها، «متكلما ككاهن، أو ساحر، هو الذي يكره الكهنة والسحرة» -غير عارف من أين يأتي الصوت، لم يعد يأكل، وينام بشق النفس، وبلغ من ألمه أنه كان يفكر أحيانا في الانتحار. ما أجمل عنده العودة إلى الصحراء وحيدا، «نحو شجرة العتاب» في الساعة التي تضاعف فيها الشمس -أو القمر - سرابهما، أن النهار فارغ، والليل بدون صوت، وأخيرا في ذات مساء، بينما كان يرتعش من الحمى والضيق، وقد ترك طريحا على الرمل، ورأسه مغطى بعباءته، وعلى حين فجأة، أبرق «الشيء» تحته مفزعا:

«يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ» [المدثر: 1 - 3].

ووقف الرجل مستقيما أمام الإله، لقد زال الكرب والشك، إنه يعلم بأنه النبي، وأنه يأخذ بمقبض سيف الملك فمن أجل الله، وبواسطة السيف والنار! (4) مهمته؟ إنه يعرفها، إنها جلب الفضيحة والخراب إلى قبيلته أولا، ومدينته ثانيا. ماذا يجب أن يفعل؟ إسقاط الأصنام، واستئصال الوثنيين الذين يكونون الثروة من مكة ومن قبيلته، مهمته؟ أنها الجهاد، الجهاد المقدس.

(1) تخيل الكاتب أن جبريل عندما كان يطلب من الرسول أن يقرأ، كان يحمل راية كتبت عليها الآية الكريمة بحروف متوهجة، كان يشير إليها طالبا قراءتها.

(2) هذا الشك فهم من قول النبي لخديجة: «لقد خشيت على نفسي» فاختلف في معنى هذه الخشية، وقال الحافظ الإسماعيلي أنها كانت قبل أن يحصل له العلم الضروري بأن الذي جاءه ملكم من عند الله.

(3) يعني المدة التي انقطع فيها الوحي حسب بعض الروايات، وبعضها يقول أنها 40 يوما فقط.

(4) يريد أن يقول أن الإسلام قام بالقوة، ولكن في أ ي بلد وفي أي تاريخ انتصر ا لحق بدون قوة؟! وإذا كان من طبيعة الإنسان أن يذعن للحق بدون قوة فما هي البلد التي لا تحتاج محاكمها إلى الاعتماد على قوة الدولة في تنفيذ أحكامها؟ إن القوة التي استعملها الإسلام لم يستشعرها من أحد، وإنما انبعثت من إيمان المومنين به، إي من عقيدته ومبادئه وحدها.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٨٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٨٢٩