تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لم يكن بجانبه إلا خديجة زوجته، وعلي ابن عمه، وزيد ابن المثنى، وأبو بكر صديقه، وعثمان زوج ابنته البكر، هؤلاء الخمسة - أوائل الإسلام - سيكونون أتباعه.

ولكنه وحيد في ساحة الكعبة، في الساعة التي يتزاحم فيها جمهور الحجاج لإهراق دم الضحايا على حجرة الهياكل، إنه وحده الذي فضح خداع الأصنام وأعلن أنه «لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله».

قالوا إنه أحمق. هل من الممكن أن أعقل الرجال وأغناهم في المدينة يصبح هذا المهرج، هذا الرجل الذي يسقط من الذعر، ويتكلم في نوع من الهذيان ويعتبر نفسه رسول الله؟

ويسخرون منه: «إذا كنت نبيا يا محمد، فاصنع لنا على الأقل معجزة -كالآخرين- ويجيب إن كلاما كهذا أخاطبكم به، أنا الأمي، أنا عديم المعرفة، أليس معجزة، أكبر المعجزات؟»

ويتهمونه بالتدجيل. هذا الإله الوحيد الذي يتكلم عنه، إنهم يعرفونه، إنه هو الذي أخبر عنه جميع الأنبياء، وآياته المصوغة في نثر موزون، يخطب بها منطلقا في الأرض، واللعاب في الشفاه، إنها «مقاطع» العهد القديم والعهد الجديد التي علمها له هؤلاء الكلاب من اليهود والمسيحيين، لكي يخلق الفوضى والخراب في المدينة.

ومع ذلك فإن حجاجا بدأوا فعلا يستمعون إليه، وبعضهم أخذ يتحول عن الأصنام، وإذن فقد وقعت الواقعة. إن أعيان المدينة يريدون تصفية الحساب مع هذا الثائر، هذا العدو العام، فإن صلى على حدة قذفت أحشاء الشاة على وجهه، وإن أراد أن يعظ بصق في اتجاهه، ولم يتجرأ أحد على قتله -قانون الصحراء يمنع قتل رجل من القبيلة (1) -. وقد عامل القرشيون بوحشية هؤلاء الذين يستمعون إليه: الفقراء والمتسولين والعبيد - إنهم أنفسهم الذين كانوا قبل ستة قرون يستمعون إلى عيسى.

وإن ما يقوله، لهو تقريبا هذا الذي قاله عيسى مع هذا الفارق القريب من أنه لا يقبل ألوهية المسيح، إذا كان يقبل إدراكا غير مدنس، بأن الله - الإله الذي أخبر به جميع الأنبياء -أحد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤا أحد، وليس محمد إلا آخر رسله «خاتم النبيئين». ولم يأت إلى ليذكر الإنسان بما أخبر به هؤلاء الذين سبقوه -من إبراهيم إلى عيسى-: «كونوا مستقيمين، اتقوا الله، تذكروا يوم الحساب الأخير».

ومع ذلك فإنه يشتم، ويرجم، ويقبض على أتباعه، فيمدون عراة على الرمال المحرقة، رءوسهم تحت الشمس، وصدورهم تدق بكتلة من الحجارة، ويتركون إلى أن تأتي الكلاب لتنهش عظامهم، إنهم أوائل الشهداء، أوائل الصالحين في الإسلام، إن اسم واحد منهم وصل إلينا، كان يسمى بلالا، وكان زنجيا، كاد يموت من العذاب والعطش، لقد سحق صدره، كان يردد ليل نهار دون أن يشتكي: «الله أحد! الله أحد!»

وكان محمد قد افتدى العبد من سيده (2) وعالجه حتى شفي، وجعل منه أول مؤذن: الرجل الذي سيظل حتى آخر أيامه ينادي المسلمين إلى الصلاة، خمس مرات في اليوم.

وتتضاعف الاضطهادات والامتحانات، وفي عام الحزن (620) فقد محمد خديجة، زوجته المخلصة، وأولى أتباعه، وفي حالة الألم الذي كان يعانيه وقعت له رؤية: المعراج، فقد رأى نفسه محمولا على البراق فرسته البيضاء قاطعا الصحراء، ومن القدس مرتفعا إلى عرش الإله، إنه هناك تلقى أولى الفرائض الخمس - الدعائم الخمس للإسلام: شعيرة الصلوات الخمس اليومية، حيث يتجه الوجه نحو المدينة المقدسة التي ليست أيضا مكة، ولكنها القدس «مدينة إله إبراهيم».

إن عنف إيمانه هو سبب إنذارات الخطر للقرشيين الذين قرروا قتله؛ وينجو من عدالتهم ويلتجئ إلى الطائف -التي طرد منها- ثم إلى يثرب (واحة على بعد 400 ك. م. من مكة)، المدينة الثانية في الحجاز. وهذا الخروج من مكة إلى يثرب التي ستسمى منذ الآن بالمدينة (مدينة النبي) هو الهجرة.

وإن يوم 25 شتنبر 622 هذا من التاريخ المسيحي هي السنة الأولى للإسلام. إن عهدا جديدا يبتدئ.

(1) ما دام في جوار القبيلة أو جوار أحد زعمائها، وإلا أصبح دمه هدرا.

(2) بل أبو بكر هو الذي اشتراه من أمية بن خلف الذي كان يعذبه وأعتقه كما هو معروف.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٨٣٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٨٣٠