تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

العربية؛ وهم يتجهون بنفس الصلاة لنفس الإله ويخضعون بنفس الروح لنفس القانون الذي ينظم حياة الشخص من الشروق للغروب، ومن الولادة إلى الموت -وأبعد من ذلك- فإنه يدير حياة المجتمع بأسرها.

إن الإسلام ليس دينا فحسب، آخر الأديان التي ظهرت في التاريخ، إنه أيضا، وبصفة خاصة، مجتمع روحي واشتراكي، ونظام سياسي، وأسلوب للعيش وكما حدده روني كروسي: «أخوة تتوارثها الأمم والأجناس، في مجتمع متحد تحت رعاية الله، لإنجاز إرادة الله»، وهذا منذ 1300 سنة.

وخلف هؤلاء 350 مليونا من المسلمين النائمين منذ ثلاثة عشر قرنا (1)، مغامرة من أعظم مغامرات الإنسانية: إمبراطورية فاقت إمبراطورية الإسكندر، وحضارة هيأت للنهضة، ودين قام في الشرق، مقام المسيحية في الغرب.

لقد كانوا في سرقسطة وفي سمرقند، وكانوا في بواتيي؛ كانت إمبراطوريتهم تمتد من إسبانيا إلى الهند، ومن روسيا إلى أندونيسيا؛ وكان لا بد من ثمانية عشر شهرا لقطعها على ظهر الجمال، وكانت قوافلهم التي تجوب نصف العالم المعروف، لا تحمل فقط إلى الغرب الحرير والتوابل وحكايات الشرق، فبين شيلان كشمير، وعطور البلاد العربية، كانت توجد الرسائل الرياضية من الهند، والتراجم الأولى لأفلاطون وأرسطو، والأشعار والمذاهب الفلسفية من فارس. إن الطلبة الغربيين كان يجب عليهم تعلم العربية -اللغة العلمية في القرون الوسطى - لحل رموز رسالة بقراط، أحد الكتب الستة الأولى التي كانت تملكها كلية الطب بمونبوليي.

هذه الإمبراطورية المهولة، مع عواصمها ذات «ألف ليلة وليلة» التي تملك كل واحدة منها ما يكفي لمجد مملكة: بغداد مع 27000 من مساجدها وملايينها الثلاثة من السكان. القاهرة مع القصر الذهبي لهارون الرشيد (2)، و 000 500 1 مجلد بمكتبته، قرطبة مع جامعتها التي جاء أحد البابوات (3) ليدرس فيها؛ هذه الإمبراطورية، وهذه الحضارة اللتان غمرتا العالم، وفتحتا عهدا جديدا في تاريخ الإنسانية، إن كل هذا خرج من كتاب صغير يتكلم عنه جميع الناس، ولم يقرأه أحد (4): القرآن.

هذا الذي أملى هذا الكتاب - لا يمكن القول بأنه كتبه لأنه لم يكن يعرف لا القراءة ولا الكتابة -كان جمالا يعيش منذ 1300 سنة، في أوحش صحاري البلاد العربية.

كان يسمى محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي، نسميه نحن ماهومي، ولكن الرجل كالاسم، هو من نماذج الشرق.

إنه بدوي، رجل رمال، روح من نار (5) وفي دمه حرارة هذه الأرض المحترقة العربية، التي يقرعها الله في كل مرة يريد فيها نبيا. إن مكة التي ولد فيها عام الفيل (571م) ليست إلا على بعد عشرة أيام بالقافلة من جبل سيناء، حيث استلم موسى ألواح القانون، وعلى بعد اثني عشر يوما من القدس، حيث أعلن عيسى الخبر الطيب، ولكن سيناء هي الجبل، والقدس هي بالتقريب أيضا البادية، ومكة، إنها الصخر المحترق، الأتون، لا نهائية الرمال تحت نقمة السماء النارية، إن مكة هي الصحراء.

إن إبراهيم الباحث عن الأرض الموعودة، قد توقف هناك، تاركا ولده إسماعيل على حجرة، ومن إسماعيل ولد جنس العرب، ومن الحجرة ظهر الإسلام.

وعندما وضع إبراهيم الطفل على الحجرة -منقطعين، هذا وذاك، إلى الإلاه الواحد، إلى الإلاه الحقيقي - كانت الحجرة بيضاء، وبعد ذلك بألفي سنة عندما شاهد محمد الحجرة، كانت قد أصبحت سوداء: «سوداء من جميع ذنوب الناس»، بيد أن البدويين الناسين لإلاه إبراهيم، كانوا قد جعلوا منها هيكل معبودهم، الكعبة، حيث يضحون بالجمال والتيوس - والأطفال- لـ 360 من آلهة ضريحهم الجاهلي.

(1) هذا غير صحيح بدليل ما سيذكره الكاتب نفسه فتراجع المسلمين لم يبدأ إلا في عصور أخيرة. ولكن ما هي الدولة التي عمرت في التاريخ أطول مما عمرته دولة الإسلام؟!

(2) كانت بغداد -لا القاهرة- هي عاصمة الرشيد.

(3) يعني سلفستير الثاني وهو الذي نقل الأرقام العربية المستعملة في المغرب العربي.

(4) يعني من الغربيين.

(5) بل من نور لو كان يعلم.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٨٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٨٢٧