دعوة الحق، س.4، ع2 /نونبر 1960 .................... ص16
شهادة المرأة بين الإسلام وعلم النفس
للأستاذ: عبد السلام الهراس
سبق أن كتبنا في السنة الماضية عن موقف الإسلام من المرأة، وعن علاجه لمشكلتها، وعن تأييد العلم والواقع للنتيجة التي انتهى إليها الإسلام. وقد كان علاج الإسلام لمشكلة المرأة مبنيا على ظاهرة موضوعية، أي على خصائص كل من الرجال والمرأة، وعلاقة هذه الخصائص بالمصلحة الاجتماعية، وذكرنا التعدد والاختلاط كمثالين لتطبيق الفكرة العامة للإسلام إزاء المرأة، والآن نذكر مثالا آخر وهو موقف الإسلام من شهادة المرأة، وسنرى أنه كان متمشيا على أساس تلك الفروق التي ذكرناها مما يحتم توزيع الاختصاصات وتنويع الوظيفة الاجتماعية لكل من الرجل والمرأة.
المرأة كائن إنساني تتمتع بالتكريم من لدن الإسلام لقوله تعالى: «ولقد كرمنا بني آدم» وهذا الحق، أو بالتعبير الإسلامي، هذه النعمة تجعل المرأة على قدم المساواة مع الرجل مشاركة له في الكرامة، فإذا اختلفت وظيفتها عن وظيفته فلن يكون ذلك سببا في امتياز أحدهما على الآخر.
ولاختلاف الخصائص بين الرجل والمرأة كان موقف الإسلام من شهادة المرأة موقفا يستجيب لمقتضيات تلك الخصائص، فعندما يحتاج القضاء المرأة لكي تكون شهيدة، نرى الإسلام لا يضع المرأة كالرجل تماما، لأن الإسلام دين العدالة بأوسع ما في الكلمة المقدسة من معنى، والعدالة تقتضي وضع الشيء فيما يستحقه وعدم إعطائه أزيد مما يتفق وطبيعته أو أنقص من ذلك، يقول تعالى: «واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما الأخرى فتذكر إحداهما الأخرى ... »
فالمرأة إذن لا بد أن تقوى بأخرى في الشهادة حتى لا تضل، ويفسر الحديث الكريم هذه الآية، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأيت من ناقصات عقل ودين اذهب للب الرجل الحازم منكن، قلن: يا رسول الله وما نقصان ديننا وعقلنا؟ قال: أليس تمكث إحداكن الليالي لا تصوم ولا تصلي؟ وشهادة إحداكن على شهادة نصف الرجل».
فنقصان عقل المرأة هو الذي جعل شهادتها غير مساوية لشهادة الرجل، وليس هذا النقص عيبا في المرأة لأن المجتمع يحتاج المرأة أغزر عاطفة، لأن مهمتها تحتاج إلى الحنان والشفقة، فما نقص من عقلها زيد في عاطفتها، وهذه الحقيقة يؤمن بها المسلم الذي يعتقد في عدالة الخالق وفي رعايته لمصالح العباد، فالقضية إذن مسلمة من جانب المؤمنين، لأنها مؤيدة بالنصوص من الكتاب والسنة، ولكن هنالك من لا يقتنعون بالدين، ولهذا سيكون العلم فيصلا بيننا وبينهم، فماذا يقول العلم؟ يقول: إن أجزاء جسم المرأة ينساب بعضها على بعض ... كذلك نجد أنه من حيث تركيبها العقلي لا توجد عندها فواصل قاطعة بين عالم الفكر، وعالم الحس، وعالم العاطفة، وعالم الحكم الأخلاقي والاجتماعي، فكل هذه النواحي مندمج بعضها في بعض، ومصبوغة كلها بصبغة عاطفية، ووجوب التفريق بين الرجل والمرأة في الشهادة يتضح فيما يقوله العلماء: «إنه إذا كان منطق الرجل يتميز بنزعته العقلية الاستدلالية فإن منطق المرأة هو في صميمه منطق العاطفة، كما أن المرأة عندما تبدي حكمها على الأشخاص يكون ذلك من خلال مشاركتها الوجدانية والتعاطف، أي أنها تحكم حسب ما تشعر به من جاذبية نحو موضوع الحكم أو النفور منه، وهذا التعاطف يشكل لدى المرأة