فوثبوا وثبة أقضت مضجع الاستعمار التائه، وزعزعت أركانه وأوضاعه، وثاروا ثورة لا يدرى أولها من آخرها، ولا فرعها من أصلها، واشتبكت الأمور وارتبكت، واختلط الحابل بالنابل، والخاثر بالزبد.
وكان المتآمرون يظنون أن هذه الثورة لا تلبث أن يصيبها الإعياء والإكلال، ويأتيها الضعف والانحلال، ولكنهم كانوا مخطئين، وفي أمرهم مرجين، فدامت وامتدت فروعها، وتعددت شعبها، وأسست مراكزها، وضبطت معاركها، وأمدها الله بقوته، ونفحها بنفحته، فكانت الثورة مباركة وكان الجهاد عزة ونعمة.
وكلما ضاق الأمر على الاستعمار وضاقت عليه الأرض بما رحبت تلون في منطقه، وجدد دواليب حركاته، وكان أشد بأسا وأشد تنكيلا.
وبالرغم من تشدده وبطشه فقد ألم به الذعر والقلق، واستولى عليه اليأس والفرق، واندهش أمام حرارة الشعب ورباطة جأشه، وموالاة جهاده مع تفوقه عددا وعدة وأسلوبا وفنا ودربة.
وما وسعه بعد أن قلب واحتال، ونفى واغتال، وشرد ونهب، وساوم وأرهب، إلا أن يستفيق من غمرته، ويستفيق إنه أخفق في مغامرته، ويعترف أنه أتى شيئا نكرا، وارتكب خطأ فادحا لا تغفره السياسة ولا تنتجه الكياسة.
وعندما اشتعلت الثورة وأمر أمرها راجعت السياسة النكراء حسابها، وعادت تعمل لتستر جرمها فعقدت المؤتمرات، ودعت إلى هدوء الاعتداءات واستدعت من ظنت أنهم بيدهم دولاب الحركة وسير العجلة، ولهم الحل والعقد فتعلقوا بملكهم ووقفوا في طريق استقلالهم.
ولما لم تفلح في مؤتمراتها، ولم تنجح في برامجها، وأعيتها الحيل، ولامتها الدول، تبين للدهاة أنه لا علاج لخطورة الحالة، ألا تحول السياسة والساسة واقتفاء مذهب التفهم والتقرب، بدلا من القمع والتعصب، فقررت حكومتهم آنذاك إعادة الملك المجاهد من منفاه إلى فرنسا لا إلى المغرب أملا في تخفيف حدة الأزمة وتشبثا بوجود المعارضة الخيالية التي خلقتها وأسمتها ثم دعمتها بأبواقها الكاذبة، ودعامتها المرتزقة، ولكن طائفة الاستعمار المستخدمة في هذه المؤامرة الشنعاء سخطت وأثمت فما كان من أمرها إلا أن حملها الحنق على من استعلوهم في هذه المحنة، وأطمعوهم بتسلم النعمة، فجهروا لذلك ولغيره من الدواعي بطاعتهم لجلالة محمد الخامس - فانتصر فجأة على أيدي المبطلين والمجرمين وبمرأى ومسمع من غلاة المستعمرين، -وتلك معجزة من معجزات الزمان، قلما تثبت لذي ملك وسلطان، فكانت ضربة قاسية على طغاة الاستعمار وخاب سعيهم وسعي سفهائهم ومثل هؤلاء الضالين ومثل أدعيائهم المسخرين كما قال الله تعالى: «وقال الشيطان لما قضى الأمر أن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم».
كذلك نشأ ظل الاستقلال، وبدأت هزيمة الاستعمار من أجل الاعتداء على العرش المغربي العزيز وقد وجدت اعتداءات من قبله ولكن لم يبلغ أثرها في النفوس ما بلغه أثر الاعتداء الشنيع الواقع في 20 غشت 1953.
وكل اعتداء على المقدسات لا تكون عاقبته إلا سيئة، ولا تتبعه إلا الهزيمة والخيبة والاستسلام سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا.
وكذلك كان الوفاء للعرش كما كان العرش وفيا لمصالح شعبه، واثقا بإنجاز رغباته فما قر قراره حتى بشر بالبشارة الكبرى ولم يمض قليل من الزمن حتى حقق البغية الأولى -وأردف ذلك بإعلان جمع التراب ووحدة الأجزاء- فازداد الحب والولاء، وتضاعف الإخلاص والوفاء، ثم رفع مستوى الإدارة بما أسداه من إرشادات نافعة وتوجيهات صالحة واتخذ جيشا ملكيا لحماية الاستقلال وضمانة الاستقرار.
وهكذا كان العرش عمدة الكفاح وسر النجاح من قبل ومن بعد وكان عمله عظيما ورائعا أولا وأخرا.
بيد أنه يجب للارتباط بالوجود الصحيح وللاغتباط بنظام الاستقلال أن نشكر لله نعمته الوافية، ونجاهد في سبيله بإخلاص ونركز الحياة على ما تأصل من تاريخينا ونعلم أننا عشنا مؤمنين مسلمين، ورفعنا راية الإسلام وكنا له ناصرين، وتبوأنا مقاما ساميا بين العالمين، وتدرجنا في الحضارة قرونا طويلة لكن تخللتها فترات أضعنا فيها الحق العام، وأخللنا بتعاليم الإسلام، من جراء الغرور والجهل والانحراف عن الحق والعدل.
كما يجب أن نتضافر مع إخواننا في العقيدة سرا وجهرا قولا وفعلا لا سيما الجزائريون الذين أحيطوا من سائر جوانبهم بحرب كافرة ساخطة.
وبتضافر المسلمين وتضامنهم في الحق يؤيدهم الله بروح من عنده ويزلزل أعداءهم في كل مكان «والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار».