تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.4، ع2 /نونبر 1960 .................... ص14

وذكرهم بأيام الله

للأستاذ الرحالي الفاروق

من أيام الله التي تذكر بما مضى من نوادر الأحداث وروائع الكفاح، وبما كان من صنوف الآلام والأحزان، وصور المآسي والطغيان، يوم الانبعاث -ويوم الانتصار - ويوم الجلوس على العرش- وهي حقا أيام ماجدة، وأعياد منتصرة، تبعث روح الأمل، وتدفع إلى حب العمل، وتتحدث بلغة الاستقلال، وتتعمد خطة الاعتدال، وتتحمل بمرارة جرأة أعداء السلام، وتهمس في أذن الشعب المستقل أن لا تنازع في أمره، ولا يتخالف في قصده، ولا يتخلى عن حقيقته وأصله، «وذكرهم بأيام الله عن في ذلك لآيات لكل صبار شكور» أما سنة الحياة والحضارة فتقتضي أن تكون ذكريات الشرف وافية بإنجاز المطامح وإدراك المصالح، قاضية باعتبار المعاني الروحية، والفضائل الخلقية، كما تقاضي أن تتفاضل فيما بينها بحسب الغايات والأهداف تفاضل الإنسان والزمان والمكان.

إلا أنه لا يراد من أقامتها أن تكون مظهرا من مظاهر الحفاوة، ومعلما من معالم الزينة فحسب -ولا أن ترى موضعا للتنطع في القول والخروج عن الطور- والتفنن في الأدب المكشوف - فتصير فرصة لإطاعة النفوس الفاجرة واستقصاء الشهوات الكافرة، واكتساء الملابس الساحرة.

ليس كل ذلك من وحي الأعياد -ولا من قصد الأوضاع إنما العيد كان لاستخلاص النتائج واستجلاء الحقائق ثم التعبير عن معاني السمو في الأمة والتصوير لنظامها، المطبوع بطابعها، المبين عن إرادتها ونشاطها، والتطبيق لوسائل الأخوة الشاملة، وبرامج العيشة الراضية، وقواعد العزة الكاملة حتى تكون الحياة في الذكرى حياة نظام واستقرار وفكر وإمعان، لا حياة شهوة وغفلة ومظاهر وألوان، حياة تثير معاني الحب والإيمان والرحمة والإحسان لا حياة كراهية وقسوة وكفر ونسيان ذلك -وعل أغلب الناس وسوادهم يفهمون من عيد العرش مثل ما يفهمونه من عيد العرش مثل ما يفهمونه من مطلق الأعياد الجارية، وإن كان ذلك فهم واهمون، وعن الحقيقة ناكبون، فعيد العرش يلوي على الذكريات جميعها وينطوي على المعاني بأسرها -والعرش يطبع بطابع الخلافة القائمة مقام الرسالة وله معنى أدق وأعمق، وموضوع أهم وأعم، ومرمى أسمى وأبعد ولذلك ترنو إليه العيون، وتحدق إليه الأبصار في مصالح الدنيا ومصالح الأخرى. فبالعرش تصان عقائد الإيمان ودعائم الدين، وتحفظ مصالح الحياة وفضائل الإنسان، وبالعرش طويت صحف الاستعمار بالمس وبه إن شاء الله تستخلص موريطانيا وما وسواها من الأجزاء التي اغتصبها الأجنبي الجائر من أرض الوطن ونقصها من أطرافها.

وبالعرش تجاهد الأمة وتحافظ على كيانها الذاتي ووجودها المادي ونفوذها الروحي -وما هو إلا قلبها النابض وعقلها المدبر وروحها الساري في جسمها. ألا ترى أن المغاربة قضوا شطرا من الزمن وهم في محن الاستعمار وفتنه عائشون، وفي أمواج ظلمه وعسفه غارقون، وقد غير عادتهم ومصلحتهم وتناسى مجدهم وتاريخهم، وتعامى عن الحقيقة وكاد لهم، -وذهب هذا الشيطان مذهبه، وأغرى أصحابه وأذنابه، ومع ذلك سكتوا وصبروا غير راضين ولا طائعين لأنهم يرون العرش قائما ويرمقونه سالما فكانوا يتعزون بقيامه ويتسلون بسلامه- ولما أهين العرش وأخرج ربه من أريكته خاب ظن المغاربة واشتد غضبهم، وازداد قلقهم فهاجوا وماجوا ثم اجتمعوا على الكفاح لأن دليل عزهم ورائد مجدهم قد اعتدى عليه، وحيل بينه وبين بلاده،

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٨١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٨١٤